الجِسرُ المطلوب بين الثقافة والسلطة

14/04/2017 - 15:59
الجِسرُ المطلوب بين الثقافة والسلطة

أعرفُ جيداً أن موضوع « الثقافة » و »السلطة » من القضايا التي قُتِلت بحثاً، كما يُقال في فضائنا العربي، ولعلي أستحضر في هذا المقام ثلاثة أسماء على سبيل التذكير، قاربت قضية الثقافة في علاقتها بالسلطة في مجالنا السياسي العربي، والعربي الإسلامي، هي تحديدا: الراحل إدوارد سعيد، صاحب كتاب: Representations of intellectual، الذي ترجمه  محمد عناني بـ: »المثقف والسلطة »، وعلي أومليل في مؤلفه الموسوم:  « السلطة الثقافية والسلطة السياسية »، والمقالة التي أثارت موجة من التأييد والنقد حين نشرها صاحبها )سعد الدين إبراهيم( في ثمانينيات القرن الماضي حول: « تجسير الفجوة بين المثقف والسلطة ».

لنتساءل عن مصدر العلاقة غير الطبيعية بين « الثقافة » و »السلطة » في مجالنا السياسي العربي، ليس اليوم فحسب، ولكن عبر تاريخنا القديم؟ لماذا لم نتمكن من بناء جسور للتواصل بين مجالين يبدوان متنافرين، أي بين المعرفة والفكر والثقافة، بحسبها تُحيل على حرية الإبداع والاجتهاد والمبادرة، و »السلطة »، وبوصفها آلية ووسيلة للإكراه « المشروع » وغير المشروع؟

ثمة زوايا متعددة للإمعان في فحوى هذا السؤال، والسعي إلى الإجابة عنه. لنقترح على القارئ الكريم النظر إلى أسئلة القطيعة بين « الثقافة » و »السلطة » من زاوية الثقافة ذاتها، والثقافة الديمقراطية تحديدا، ولنتذكر أن مسيرة الثقافة الحديثة في أوروبا والغرب لم تنفصل عن مسيرة الديمقراطية في هذه البلدان، فقد حايث البناء الثقافي نطيره السياسي، وقد لحمت الديمقراطية البناءين معا، ومكنتهما من المعنى الذي كانا في حاجة إليه. لذلك، شكلت « الديمقراطية » العلاج الشافي والدائم لاستقامة العلاقة بين  « المثقف » و »السلطة »، والإكسير الذي أقنع المثقف وممارِس السلطة على حدّ سواء بأهمية بناء الثقة بينهما، وقيمة اتكاء أحدهما على الآخر. نلمس هذه الروح في الرصيد المعرفي والفكري الذي شكّل معين النهضة الحديثة والمعاصرة في أوروبا والغرب. تكفي الإشارة إلى مساهمة فلاسفة التنوير في ميلاد الدولة القومية الحديثة مع القرن السادس عشر، ونُشير أيضا إلى دور كتابات « الآباء المؤسسين » في بناء الأمة الحديثة في أمريكا، وصياغة دستورها (1787 (ووضع مؤسساتها. والمسار نفسه مازال قائما ومستمرا في الوقت الحاضر، لنمعن النظر في دور مراكز البحوث و »بيوت الخبرة » في صنع السياسات بشكل عام في أوروبا والغرب.

لذلك، مثلت الديمقراطية المُعاقة في مجالنا السياسي العربي مَوطن وجود القطيعة بين « المثقف » و »السلطة »، وأحد أهم أسباب استمرارها. فـ « المثقف » في تراثنا القديم إما عاش تحت عباءة السلطان، أو ظل منبوذا  ومنكلاً به.. وفي الحالتين معا لم يمتلك القدرة على ممارسة حريته واستقلاليته. وفي زمن إعادة بناء الدول الوطنية بعد جلاء الاستعمار واسترداد السيادة، وُلدت حالة من الجفاء والتباعد وعدم الثقة بين المجال الثقافي وفضاءات السلطة، وقُدّمت صورة مشوشة عن المثقف وصلت درجة التخوين والتشكيك في صدق وطنيته، لا لشيء سوى لأنه سعى إلى ممارسة وظيفته الطبيعية كمثقف، أي نقد الواقع بُغية تغييره نحو الأفضل.

وفي سياق القطيعة نفسه، نلاحظ أن حتى حين عمّت البلاد العربية موجة من « الحَراك الاجتماعي »، بقي الكثير من المثقفين مذهولين، غير مصدقين ما يجري حولهم، متسائلين عما ينطوي عليه هذا الحَراك، وما تتوقع منه من آفاق. لذلك، كانت أدوارهم محدودة في مجمل البلاد العربية، وحتى الذين انخرطوا متأخرين في حَراك بلدانهم، انقسموا على أنفسهم، وعجزوا عن تشكيل كتلة متراصة من أجل الدفع بجدلية التغيير نحو الأمام.. لنقارن، على سبيل المثال، بما قامت به شريحة المثقفين في مجمل البلدان التي شهدت انتقالا ديمقراطيا خلال الربع الأخير من القرن العشرين (1975 ــــ 1995(، ونمعن النظر في الثقل الذي كان لهذه الشريحة في نجاحات التجارب الانتقالية لمجتمعاتهم.. إن تجسير الفجوة بين « الثقافة » و »السياسة » أكثر من مطلوب، إنه سيفتح، حين تحققه، أفقا جديداً في مجالنا السياسي العربي.

شارك المقال