هي صيغة للتخاطب، حملناها من زمن الحرب الباردة إلى زمن الحرب الأكثر برودة بيننا. الرفيق سليمان، هكذا عهدته يبادرني عند كل اتصال، فأرد بالمثل كما لو أننا عضوان في خلية شيوعية. والحال أنه يعتبرني، بدفاعي عن ديمقراطية « مثالية »، أصب في قربة الرجعية الإسلامية، فيما أنظر إليه أنا كرئيس حزب خُلق لقتل الفكرة اليسارية، النقدية، القائمة على « قانون التغيير » الذي يطال اليساريين والإسلاميين وغيرهما (« كل شيء يتغير إلا قانون التغيير ». ماركس) لصالح تغيير قانون اللعب السياسي بتكثيف التناقض في مواجهة الإسلاميين، وها هي النتيجة: مزيدا من إضعاف وتغريب الفكرة اليسارية الليبرالية، في زمن أصبحت فيه الفكرة الإسلاموية، بنموذجيها: الإخواني والجهادي هي « شباب العالم » قياسا وتحويرا لمقولة: (le communisme est la jeunesse du monde et qu’il prépare des lendemains qui chantent) للكاتب الشيوعي الفرنسي Paul Vaillant-Couturier.
سأكون خارج التاريخ، طبعا، إن أنا حمّلت إلياس العماري عبء تراجع اليسار وصعود الإسلام السياسي. أنا فقط، أعاتبه على قبوله، وأمثاله من الرفاق، الانخراط في مشروع هجين، يكابر لجمع « الأصالة » بـ »المعاصرة »، في مواجهة مشروع إسلامي منسجم وناضج على نار هادئة.
ألم يكن حريا، يا رفيقي، بمن دعم وقوّى مشروع « البام » من داخل الدولة، ألا يُربك تجربة التناوب في 2002، وأن يُعضد الوجود السياسي للاتحاد الاشتراكي بمشاريع ثقافية-مدنية على شاكلة « حركة لكل الديمقراطيين » على أن يقودها ديمقراطيون حقيقيون، وليس بقايا يسار متعب وتقنوقراط تشع من عينيه إرادة التملق وشهوة التسلق؟ إن يسارا ديمقراطيا مستقلا يقوده الاتحاد الاشتراكي، توازيه ديناميات ثقافية واجتماعية، كان سيقيم توازنا حقيقيا مع الإسلاميين وسيكون دعامة حقيقية للانتقال نحو الديمقراطية. أعرف أن التاريخ لا يؤسس على « لو »، لذلك سأقفل قوس « استرجاعاتي » وأعود إلى الرفيق إلياس.
قبل أسابيع، كتبتُ مقالا في هذه الزاوية، وقلت، من جملة ما قلته فيه، إن إلياس الذي « كُلف بأدوار كبيرة ويعرف حقائق حسّاسة.. مستعد لهدم البيت على من فيه إذا أحس أنه مستهدف »، فردَّ عليّ هو قائلا: « ا رتأيت أن أتفاعل مع مقال الريسوني، من باب أن التفاعل مع الذين قد لا تتفق معهم في أمور وتتفق معهم في أمور أخرى، من شأنه أن يساهم في توضيح بعض المعطيات والكشف عن بعض الحقائق التي قد تغيب عن الكثير من القراء (…) ورغم أنني لا أتفق مع ما جاء في المقال، فيما يخصني أنا شخصيا، فقد تعمدت نشره في الموقع الرسمي لحزب الأصالة والمعاصرة الذي أتولى مسؤولية أمانته العامة ». عندما اتصل بي إلياس يقول: الرفيق سليمان أريد أن أعرف رأيك في ردي عليك، أجبت: بقدر ما كنت أنا قاسيا، كنت أنت لبقا ومؤدبا كعادتك في الحوار.
وأنا أعترف بهذه الخصلة للرجل الذي أعتبرُ أن مساحات الاختلاف بينه وبيني صارت أوسع من مضايق الاتفاق، أتأمل حجم الضرب تحت الحزام الذي بات يتعرض له من جهات كانت ترتعد منه وتسارع لإرضائه، وأستعيد حجم الأذى الذي تعرض له إدريس البصري وفؤاد الفيلالي، بعد أن فقدا السلطة، من طرف أشخاص كانوا يهرولون انحناءً لتقبيل أيديهما طلبا للفتات.
للإشارة؛ إلياس العماري يُهاجَم وهو لازال أمينا عاما ورئيسا للجهة. يعلم الله ما الذي ينتظره، إن هو جُرِّد من كامل سلطاته؟