عندما كتب لي في أواسط التسعينات تخطي عتبة بناية «المعهد العالي للصحافة» بالرباط (الذي اتبع الموضة السائدة في نهاية التسعينات، وغير اسمه إلى المعهد العالي للإعلام والاتصال)، كان أول ما لفت انتباهي على جدرانها الإسمنتية الداكنة عبارة مقتضبة ورنانة محررة على لوحة نحاسية في مكان لا يمكن أن تخطئه العين: «الخبر مقدس والتعليق حر».
وأوحت سذاجتي الزرقاء -التي لم أكن أتحكم فيها كثيرا آنذاك وإن كنت قد بلغت من العمر ما بلغت واكتسبت من قليل المعرفة ما اكتسبت- بأن تلك العبارة تعني أن الوصول إلى الخبر حق مقدس، وأن كتابته ونشره لا قيود لهما! اكتشفت بسرعة -يا للخيبة التي أدمنت- أن الجملة بجرسها المميز تعني شيئا آخر له علاقة بنقل المعلومة، طبعا إن وصلت إليها. فالوصول إلى المعلومة مازال عندنا يندرج في خانة «المحظور أو ما يشبهه»، رغم تنصيص الفصل 27 من الدستور على هذا الحق، ورغم وجود مشروع قانون يسيج عملية الحصول على هذه المعلومة أكثر مما ينظمها.
وفي تقديري، فغياب الحق في الوصول إلى المعلومة من العوامل التي تعيق كثيرا تقدم حرية الصحافة والتعبير بالمغرب، طبعا بالإضافة إلى عنصر آخر منفلت جدا يتمثل في «الرقابة الذاتية»، ذلك الشرطي الذي يسكن ثنايا الكائن المغربي، سواء كان صحافيا أو كاتبا أو شخصا عاديا، ويستعصي على أي رقابة أو تحكم.
وهذان العنصران العصيان على القبض هما اللذان يدفعان دوما بالمغرب إلى الجلوس في المقاعد الخلفية لتقارير المنظمات الدولية المعنية بحرية التعبير والصحافة، مثل ذلك التلميذ الذي يحس بأن شيئا مبهما يكبله، ويجعله غير قادر البتة على التعبير عن نفسه، فيفضل الاختباء هناك في الصفوف الخلفية.
وآخر هذه التقارير ما أصدرته أول أمس منظمة «مراسلون بلا حدود» الدولية، التي يوجد مقرها في باريس، إذ وضعت المغرب في المرتبة 133 على قائمة تضم 180 دولة، وهي مرتبة متأخرة جدا.
والحال أن صعوبة الوصول إلى المعلومة، والحضور الطاغي للرقابة الذاتية، من بين تلك المؤشرات الكثيرة على غياب الفرد الكامل في فردانيته، القادر على فرض التمتع بحقه في الوصول إلى كل المعلومات الخاصة بشؤون «المدينة» (polis)، والقادر على التحرر من شرطي الرقابة الذاتية، الذي دسته التقاليد والدين والسلطة في الكائن المغربي، الذي جعلته يسيج نفسه بالخطوط الحمراء، ويكتفي بصرف الحياة داخلها، مثل يرقة هشة وكئيبة حكم عليها بالعيش الأبدي داخل شرنقتها، ولا تتحول أبدا إلى فراشة ترقص ألوانا في هذا الفضاء اللامحدود.
في تقديري، سيصعب جدا بلوغ حرية التعبير والصحافة، كما هي متعارف عليها حاليا في العالم، مادام المغرب لم ينتقل في عمقه من جماعة تتكون من مجموعة من الكائنات المستكينة في القاعدة، المنقادة لإرادة وتوجيهات القمة، إلى مجتمع حقيقي يكون فيه الفرد واعيا بدوره، فاعلا ومراقبا ومقترحا.. فرد يبادر ولا يكتفي بالانقياد، لأن الممارسات الأخرى (ونجملها في غياب الأخلاق والأخلاقيات)، التي تنخر حقل الصحافة والإعلام، نابعة، في تقديري، من عدم الانتقال هذا.