أتمنى أن أكون مخطئا

02/05/2017 - 17:00

رغم أن الجو كان حارا صباح أمس، ورغم أن شمس الربيع لم تبخل بدفئها على احتفالات فاتح ماي، فإن تظاهرات عيد العمال في المغرب مرت في مناخ بارد وفي جو كئيب، والسبب هو غياب الروح النقابية والنضالية عن مجتمع العمال والموظفين، الذي يضم أكثر من عشرة ملايين مغربية ومغربي. مليون منهم في الوظيفة العمومية، والباقي يبحث عن رزقه في القطاع الخاص، فيما ملايين أخرى عاطلة عن العمل، وجزء منها توقف حتى عن البحث عن وظيفة بعدما يئس من الفرج.

أفضل شيء فعله سعد الدين العثماني، منذ مجيئه إلى رئاسة الحكومة، هو غيابه عن احتفالات الكادحين بعيدهم الوحيد طوال السنة، حيث كسر رئيس الحكومة الجديد بدعة حضور رؤساء الحكومات في تظاهرات العمال، وكأنهم زعماء نقابيون، أو كأنهم جزء من البروليتاريا، في حين أن العمال يخرجون إلى الشارع عادة لكي ينتقدوا الحكومات، ويسبوا رؤساءها، ويلعنوا الوزراء، فلا يعقل أن يجدوا «وجوههم الملساء» أمامهم في الشارع تخطب فيهم، وكأنها تتشفَّى في بؤسهم وقهرهم، أو كأنها تردد قول الشاعر: «وداوني بالتي كانت هي الداء».

المشهد النقابي، كما الحزبي في المملكة الشريفة، يدعو اليوم إلى الرثاء. النقابات تحللت وتعفنت روحها النضالية، وصارت جماعات ضغط تستعملها السلطة تارة، ويستعملها سماسرة النضال تارة أخرى، وتتحرك وفق أجندات حزبية وسياسية، وآخر همها هو الدفاع عن المصالح المادية والمعنوية للطبقة العاملة.

الذي يريد دليلا على هذا «الادعاء» فليلق نظرة خاطفة على حجم تمثيلية هذه النقابات في القطاعين العام والخاص، من خلال الأصوات التي حصلت عليها في الانتخابات المهنية الأخيرة (جاء المستقلون في مقدمة انتخابات الأجراء والموظفين، وحصلوا على ٪49,79، ثم تبعهم الاتحاد المغربي للشغل، أقدم نقابة في المغرب، بنسبة ٪17.6 فقط، ثم جاءت في المرتبة الثالثة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بـ٪9.2، ثم لحق بها الاتحاد العام للشغل بـ٪7.5، ثم جاء الاتحاد الوطني للشغل بـ7.3٪، ثم الفدرالية الديمقراطية للشغل بـ٪3.8).

والذي يريد دليلا على تلاعب السلطة بنقابات عريقة، فليرجع إلى أشرطة فيديو تظاهرة «ولد زروال» في البيضاء، هذه التظاهرة/الفضيحة التي منحتها نقابة بنصديق رعايتها السامية، وبقية القصة معروفة، وقد انتهت بدعوة مخاريق المغاربة إلى عقاب حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة، لأنه تنكر لوعود الطبقة الشعبية، وقد رأيتم حجم الاستجابة الواسعة لنداء «ليش فاليسا» المغرب، حيث قفزت مقاعد البيجيدي في مجلس النواب من 107 إلى 125، وقفزت أصواتهم من مليون ونصف إلى مليونين!

ضعف النقابات لا يعني ضعف الطلب على الاحتجاج، وهذا ما تشهده البلاد كل يوم، حيث يعرف المغرب موجة احتجاجات غير مسبوقة في كل القطاعات والمدن والقرى والمداشر، وهو ما يهدد ليس فقط السلم الاجتماعي، بل أيضا الاستقرار السياسي في بلاد تنتج يوميا البطالة والفقر والهشاشة وقلة الصحة والسكن والتعليم.

إذا لم تتحرك الحكومة، وبسرعة وجرأة كبيرتين، لسد بعض الخصاص في خريطة الهشاشة الاجتماعية، فإن الحرارة ستزداد، خاصة في غياب «مهدئ للأعصاب كان اسمه بنكيران»، كان يعد الناس بالصبر لأن الفرج قريب، وكان ينوي توجيه جزء من أموال المقاصة، التي انتزعها من جيوب الأغنياء وشركات المحروقات، إلى دعم مباشر للفقراء والأرامل والمطلقات والمعاقين والطلبة وصغار الموظفين… أما وإن بنكيران قد سقط من المعادلة السياسية، وجرت معاقبته على شعبيته الكبيرة، وجاء خلف له في تركيبة حكومية هجينة، فإن أعطاب السياسة ستلقي بتبعاتها على الساحة الاجتماعية، وضعف الحكومة سيجعل الشارع يفقد الأمل فيها، ومن ثم ستتصاعد حرارة الحراك الاجتماعي.. وانظروا كيف عجزت الدولة، على مدى ستة أشهر، عن إطفاء انتفاضة الحسيمة. فرغم تغيير العامل والباشا والقياد، ورغم عشرات الاجتماعات التي ترأسها ثلاثة وزراء داخلية، فإن الحراك باق ويتمدد، والدولة وجدت نفسها بدون وسطاء ولا محاورين.

يقول المثل البدوي: «إن ما يربحه العتروس في الحدورة يخلصه في العقبة»، وهذا ما سيقع في الأشهر المقبلة.. ما ربحته السلطة في الحقل السياسي من خلط للأوراق، وامتصاص لنتائج الاقتراع، وإفراغ الحكومة من أي مضمون سياسي، ستؤديه مضاعفا في الحقل الاجتماعي… أتمنى أن أكون مخطئا، وأن تكون الدولة على صواب، فما أخطر أن تكون على صواب عندما تكون الدولة على خطأ، كما قال مونتيسكيو ذات مرة.

شارك المقال