… نعم، أثارتني الحكاية التي كانت ترويها تلك الجارة للنسوة الأخريات. لم أكن، وأنا عائد للتو من المدرسة، أقصد استراق السمع لها، ولكن صوتها وصلني وأنا أصعد الدرج محملا محفظتي المبهمة اللون صوب شقتنا بتلك الزنقة المتواضعة بدرب السلطان (البيضاء). فأثرت نبرة صوتها ذلك الطفل الذي كُنته. كانت نبرة مشبوهة بنوع من الافتخار وهي تستعرض الكدمات التي تركها « راجلها » مطبوعة على أجزاء من جسدها، كما يستعرض الجندي النياشين التي حصل عليها من مرؤوسيه. وكانت الجارات يغدقن شتائمهن على هذا « الراجل » وهن ضاحكات. ثم يعززن تلك الشتائم، التي بدت شبيهة بالمدح من نبرات أصواتهن، بالتسليم بأن هذه هي طبيعة الرجل، وما على النساء سوى الصبر وتدريب الجسد والنفس معا على تحمل الضربات والكدمات. لم أكمل معهن كل الحكاية لأن « قرصات » الجوع أمعنت في لسع معدتي، فصعدت مسرعا إلى البيت، وأنا أخمن أماكن تلك الكدمات على جسد تلك الجارة.
طفت هذه الصور من عمق الذاكرة وأنا أطالع ما كُتب حول التقرير الأممي الذي كشف عنه قبل عشرة أيام، ويبين نظرة الرجال إلى العنف ضد المرأة، ولكنه يشير، أيضا، إلى أن النساء « يحملن بين طيات أنفسهن وجهات النظر غير المنصفة نفسها » التي تسكن الذكر. وهذا في تقديري أخطر ما في الأمر. فرغم مظاهر « تحرر » النساء في المغرب (وفي بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وتحقيقهن لـ »مكاسب » لا يمكن إنكارها، مكنتهن من الاستقلال الاقتصادي وتفجير كثير من التقاليد الاجتماعية البالية، مازالت شريحة واسعة منهن لم يستطعن التحرر من تلك « الفكرة/ القيد » التي تسكن لاوعيهن، والتي « تنص » على أن وجودهن مرتبط بالذكر، وبالتالي لا يمكنهن التمرد على « سطوته » و »شططه » وحتى « هيمنته » الاقتصادية (الرجل هو الذي يصرف على البيت لدى جزء كبير من الأسر).
ويكرس المجتمع المغربي، الذي يحتكر الذكر صياغة خطابه، هذا الأمر، مستعينا بالدين والتقاليد، ويمعن في « التنكيل » بكل من تجرؤ على تحدي هذا القيد وتفلح في كسره (ينعتها بأبشع النعوت ويشدد عليها خناق العزلة).
أظهر التقرير الأممي، كذلك، أن ثلثي الرجال بالمغرب يعتبرون ضمنيا أن تعرض المرأة للعنف، الذي يعد مظهرا من مظاهر هيمنة الذكر، هو أمر طبيعي ويطلبون منها التحلي بالصبر وتحمل الكدمات بمبرر الحفاظ على الأسرة، وحمايتها من الانهيار!
ويخامرني ظن خبيث أن الرجال، بمن فيهم المؤمنون بقيم الحداثة من مساواة وحرية وكرامة، يجدون صعوبة في التخلي عن وضعهم المميز الذي ورثوه جيلا بعد جيل.. وضع يعتبر اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، مكسبا يصعب التخلي عنه. فيسعون (جادين أو متظاهرين فقط) إلى إخفاء صورة الذكر المهيمن المتشبث بمركزه، تماما كما تسعى كثير من النساء إلى إخفاء صورة « الأنثى المؤمنة بقدرها ». ولكن، وكما قال درويش مرة: « إخفاء الصورة لا يخفي الواقع ».. واقع تنضح به حكاية تلك الجارة ومثيلاتها كثيرة.