أنتم.. أبناؤكم والعالم

25 مايو 2017 - 16:18

في أي سنة سيبلغ أبناؤكم السن التي بلغتم اليوم؟ لما أطرح هذا السؤل على من هم حولي، ألاحظ أن لا أحد يعطي الجواب الصحيح رغم أنه سهل. بالنسبة إلى كل واحد منا الإجابة الصحيحة هي تاريخ اليوم زائد فرق السنين بيننا وبين أبنائنا.

بعد القيام بهذه العملية الحسابية البسيطة، تبرز أربعة مواقف؛ هناك فئة كبيرة لا تقيم شأنا كبيرا لهذه المسألة، وهناك فئة أخرى، كبيرة أيضا، تتساءل إن كانت ستكون على قيد الحياة في ذلك التاريخ المقبل. أما الفئة الثالثة، وهي قليلة عموما، فهي منشغلة بما سيكون عليه حال أبنائها، في حين هناك فئة قليلة جدا تتساءل: كيف سيكون العالم الذي سيعيش فيه هؤلاء الأبناء؟

في الماضي البعيد، ولدى معظم الحضارات، لم يكن البشر يفكرون، في الغالب الأعم، سوى في سبل بقائهم الفوري على قيد الحياة. وقضية المستقبل لم تكن تشغل سوى بال أولئك الذين كانوا يتوفرون على الوسائل التي تكفل لهم الاهتمام باستمرار عائلة أو سلالة ما. وابتداء من القرن الثامن عشر، بـ«فلاندريا»، ثم بإيطاليا، فبريطانيا العظمى، وفرنسا ومناطق أخرى، ساد في صفوف الطبقة الحاكمة الجديدة، أي البرجوازية، هذا الهوس باستمرار الاسم في الزمن. واليوم تبذل جميع الأسر تقريبا، في كل بقاع العالم، كل ما في وسعها لضمان أفضل مستقبل ممكن لأبنائها، لكل أبنائها. ويستشيط الآباء غضبا لما يدركون أنهم يملكون وسائل أقل من أقرانهم لبلوغ هذا الهدف.

هناك فئة قليلة جدا -ضمن الأكثر ثراء في الغالب الأعم- لا تهتم بأبنائها حتى وإن ادعت ذلك، فهي تفضل قضاء معظم وقتها في أمور أخرى غير تربية أبنائها، معتقدة أن قليلا أو كثيرا من مصروف الجيب، أو الإرث، كافٍ للاهتمام بمستقبلهم. وفي الواقع هذا الأمر مجانب للصواب. فقد أظهرت دراسة أمريكية حديثة أن 70 في المائة من الأمريكيين الأكثر ثراء تنكمش ثروتهم بشكل ملحوظ في الجيل الثاني، وتندثر في الجيل الثالث، لأنه لم يتم إعداد الأبناء للاعتماد على أنفسهم.. لكي يحققوا ذواتهم (devenir soi).

هناك كذلك أناس أقل يطرحون على أنفسهم سؤالا آخر أكثر أهمية: كيف سيكون حال الكرة الأرضية في تلك السنة المستقبلية؟ وهناك آخرون أقل منهم بكثير يستخلصون الخلاصة الأساسية: هل أنا حقا مسؤول عن العالم الذي سيعيش فيه أبنائي لما يبلغون عمري الآن؟

والحال أن هذا السؤال يجب أن يكون هاجس الجميع. وفي المقدمة القادة السياسيون الذين يعتبرون، مجازيا، آباء كل أبناء مواطنيهم. إذ لا يجب عليهم مبدئيا الانشغال سوى بأمر واحد: كيف يمكن لتصرفاتهم أن تحسن وضع العالم الذي ستعيش فيه الأجيال المقبلة؟

وبما أن السياسة ليست سوى بعد –مافتئ يتضاءل– من أبعاد مصير الشعوب ومصير البشرية، فإنه يتحتم على كل واحد منا أخذ هذه القضية مأخذ الجد، وجعلها النجم القطبي الذي نهتدي به في تصرفاتنا.

آنذاك سنقلص بشكل كبير حجم عدد من المعارك، وسننشغل بأولويات أخرى غير تلك التي تحتل المشهد وواجهات وسائل الإعلام، وسنبذل كل الجهود حتى لا يلعننا أولئك الذين سيعانون بسبب عجزنا اليوم، بسبب أنانيتنا…

سينعي آنذاك أن القضية الوحيدة الجديرة بالاهتمام حقا هي السعي إلى القيام بما يجب لتحقيق الأفضل في حياتنا، مع منح الفرصة للأجيال المقبلة للعيش بطريقة أفضل.

 

ترجمة مبارك امرابط

عن «ليكسبريس»

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي