الفساد الذي قهرنا

05/06/2017 - 12:49

أعلنت الحكومة عن خلق اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد، مهمتها تنزيل الاستراتيجية الوطنية في هذا المجال. كلام كبير تعودنا عليه، لكنه لم يفض إلى أي شيء، حتى إن بنكيران رفع الراية البيضاء وهو الذي بنى مجده على محاربة الفساد.
الآن، يجب منح هذه الحكومة فرصتها، لكن من المؤكد أن انهزامها هي الأخرى سيكون كارثة على البلد لأنه سيؤجج شعوراً بالإحباط لدى المواطن المقرون باليأس من مسؤوليه، مع لكل ذلك من تبعات، وفي الوقت نفسه سيمنح أجنحة للفاسدين الذين سينمو لديهم إحساس باللاعقاب، وأنه بإمكانهم أن يفعلوا ما يشاؤوا. لذلك، فإن هذا القرار هو حدث كبير، وإن مر باهتا للأسف بسبب ظروف حراك الريف، والأمل كل الأمل أن ينجح العثماني فيما فشل فيه بنكيران.
لكن ذلك لن يتأتى لا بالخطابات ولا بالنوايا الحسنة، وإنما بالإرادة السياسية الحديدية، لأن ذلك يقتضي اتخاذ قرارات صارمة وحتى قاسية. الفساد هو الذي يجر الأمم إلى الخلف، والقضاء عليه هو الذي جعل دولا تقفز نحو الأعلى في فترات قياسية كنموذج كوريا الجنوبية وتركيا. لذلك لا مناص للعلاج بالصدمات وبعث إشارات قوية للمواطنين وللفاسدين على السواء. للمواطنين لكي ينخرطوا مع الحكومة للدفاع عن مصلحة الوطن العليا، وهي التي تتطلب التضامن الكلي. وللفاسدين حتى يدخلوا جحورهم ويكفوا عن استفزاز المواطنين بالتبجح بفسادهم دون حسيب، في انتظار الانقضاض عليهم.
الإرادة السياسية لحكومة العثماني تقتضي منح اللجنة المذكورة الاستقلالية الكاملة، وجعل ترؤسها من طرف رئيس الحكومة إجراء مسطريا ليس إلا، وكذا بتطعيمها بكفاءات حقوقية وقضائية وإعلامية ومن المجتمع المدني، مع مدها بالوسائل الكفيلة بإنجاز مهامها في أحسن الظروف. لكن الأساسي جدا أن تنكب مباشرة على الملفات الكبرى العالقة والتي تمرغ سمعة الدولة في التراب، والقطع نهائيا مع سياسة « عفا الله عما سلف » التي كرسها بنكيران.
فهل سيكون بإمكان العثماني أن يعيد خالد عليوة للزنزانة التي غادرها قبل ثلاث سنوات ليومين فقط، فتوارى عن الأنظار ليومنا هذا وصار يمارس حياة عادية وينشئ شركات ويستفيد من صفقات عمومية وهو متابع، رهن الاعتقال، بتبديد أموال بنك عمومي تقدر بالملايير؟ هل يستطيع العثماني أن يعيد فتح ملف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي تبخرت من ماليته أكثر من مائة مليار درهم، أي ما يعادل ثلث المديونية الخارجية للمملكة، دون أن تتم متابعة اسم وازن واحد؟ هل بإمكان العثماني أن يفتحص آلاف الهكتارات من ضيعات صوديا التي منحت مجانا لشخصيات نافذة مدنية وعسكرية والتأكد من احترام دفتر التحملات لأن معظمها ليس كذلك؟ سيكون العثماني نعم رئيس الحكومة، إذ سيجد وراءه كل المغاربة وهو يسخر آلية المجلس الأعلى للحسابات للزجر والضرب بيد من حديد كل من سولت له نفسه أن يعبث بالمال العام، وألا يقتصر عمل مجلس جطو على جماعات وملفات صغيرة، في حين أن الفساد المالي يستشري في مؤسسات كبيرة وفي ميزانيات تقدر بملايير الدراهم، أو أن يكتفي بإصدار تقارير دون متابعات تزيد من فقدان أمل المواطنين في العدالة الاجتماعية. دون ذلك، ستكون هذه اللجنة كسابقاتها تكتفي بملفات صغيرة وببلاغات إدانة تنشر من حين لآخر في وقت لا يعيرها المفسدون أي أهمية، بينما يخسر الوطن أمواله ونموه وفرص أبنائه في الشغل والحياة الكريمة والعدالة.
وفي الأخير، لا يمكن لأي غيور على الوطن إلا أن يتمنى للجنة العثماني النجاح وبلوغ الأهداف، لأن مآلات فشلها لا يعرفها إلا الله عز وجل.

شارك المقال