قصة رجال أعمال ساندوا حراك الريف

15/06/2017 - 00:00

الحسيمة – منير أبو المعالي

رُويت قصص كثيرة عن طرق تمويل حراك الريف، وفي بعض المرات، عُرضت مبالغ خيالية على أساس أنها قدمت لقادة الحراك، لكن الواقع، يظهر أن هذا الحراك محليا لم يدعم سوى بشكل محدود من حفنة صغيرة من طبقة رجال الأعمال المحليين. وهؤلاء الذين دعموه يجدون أنفسهم الآن في مواجهة مصير مظلم. « اليوم 24 » تروي قصة رجال الأعمال الذين ساندوا حراك الريف.

في باريو حدو (Barrio hadou) الواقع جنوب شارع طارق بن زياد في قلب مدينة الحسيمة، كان هنالك ليلة الاثنين، آلاف من المتظاهرين، لا يقلون بحسب تقدير ناشطين عن 3 آلاف شخص، وإن كان ضابط شرطة سيخبرنا لاحقا بأنه لم يكن هناك أكثر من 500 متظاهر. لكن جوهر القصة ليس هو حجم المتظاهرين، ولكن قدرتهم المفاجئة على نقل مكان الاحتجاج من شمال الشارع ( سيدي عابد) إلى جنوبه من دون أن تستطيع قوات الشرطة مقاومة تدفق أعداد المتظاهرين. فقد كان تصميم المتظاهرين الذين لا يظهر أن هنالك قائد معين لهم، هو أن يحتجوا في الحي نفسه الذي يسكنه آخر ناشطين يجري اعتقالهما بسبب الحراك: المرتضى إعمرشا الذي يلاحق وفق قانون الإرهاب، وإلياس المتوكل الذي أوقفته الشرطة صباح ذلك اليوم وهو متوجه إلى دروس تكوينية يخضع لها قبيل تعيينه كأستاذ متعاقد.

هواجس مظاهرة

كان برفقتنا، رجل اسمه إلياس أقلوش، وهو يدير فندقا تملكه عائلته وسط الحسيمة. كان من الأشخاص الذين يسعون إلى تحدي الفرص القليلة في القيام بأعمال تجارية مجدية في مدينته الصغيرة، لكنه كان أيضا من رجال الأعمال المحليين القلائل الذين ساندوا حراك الريف، بل وكان ضمن النواة الرئيسية للناشطين البارزين منذ تلك الليلة شهر أكتوبر الفائت التي قتل فيها محسن فكري طحنا في شاحنة نفايات.

كانت قوات الشرطة مسنودة بالقوات المساعدة قد سدت كما تفعل بشكل يومي، كل المنافذ إلى داخل حي سيدي عابد حيث ينفذ المتظاهرون احتجاجاتهم بدون توقف منذ أحداث الجمعة 28 ماي الفائت، حينما حدثت مواجهات بالحجارة بين شبان والقوات العمومية التي حاولت توقيف قائد حراك الريف ناصر الزفزافي في بيته الواقع هناك. وبالرغم من تطويق الحي، إلا أن المتظاهرين وجدوا طريقهم سالكة إلى الحي المقابل حيث لم تكن هنالك أي قوات شرطة على الإطلاق. وبشكل سريع، نجح المحتجون في مراوغة إجراءات السلطات بواسطة خدع بسيطة، كعدم الإعلان عن مكان المظاهرة سوى قبيل وقت قصير من الموعد المحدد لتنفيذها، أي حوالي الساعة العاشرة والنصف ليلا. وكذلك باستعمال كلمات غامضة على « فايسبوك » لتحديد مكان المظاهرة، أو حتى باستخدام ما يشبه الألغاز. وكمثال عن ذلك، إعلان حساب على « فايسبوك » أن « من يرغب في تناول « الشورو » (وهي نوع من الفطائر المحلية التي تقلى في الزيت) فعليه القدوم إلى أفضل مكان لبيعه ». وبالنسبة لأهالي مدينة الحسيمة، فإن هذا المكان ليس سوى باريو حدو حيث يوجد محل شهير يبيع هذه الفطائر. أقلوش لاحظ هذا وقال بسخرية: « هذه شيفرة، وحتى تنجح السلطات في تفكيكها، سيكون الوقت قد تأخر لتطويق هذا الحي بدوره ». كان يقرأ ذلك الإعلان في مقهى مجاورة، حيث كان الجميع يعتقد حتى ذلك الوقت، أن المظاهرة ستنفذ في حي سيدي عابد. وعلى كل حال، وبصفة متأخرة، حاولت السلطات الحد من تدفق متظاهرين آخرين، غير أن عددها لم يكن كافيا لسد كل الشوارع المؤدية إلى الحي.

في المظاهرة، حي وصلنا من دون عوائق كثيرة على عكس ما كان يحدث لنا في حي سيدي عابد، بالكاد تعرّف بعض المتظاهرين على أقلوش رغم أنه كان ناشطا معروفا من قبل. « لقد تغيرت ملامح الحراك منذ توقيف قادته، وتسلم الناس جميعا الآن دفته، لأنهم مقتنعون بأن ظهور قادة جدد معناه أن مكانهم سيكون محجوزا في السجن »، كما شرح لنا باقتضاب. كان أقلوش يرتدي لباسا رياضيا، وقبعة سوداء اللون يغطي ظلها على ملامح وجهه، ومن الصعب التعرف عليه وهو على هذه الهيئة، لكنه لا يتعمد ذلك: « عندما أرغب في التجول في أنحاء الحسيمة، فإني عادة ما أرتدي مل هذه الملابس. وإذا قررت الشرطة القبض علي، فإني على الأقل سأكون في مظهر جيد بالنسبة لمكان مثل السجن »، قالها باستهزاء واضح. وتتملك مشاعر التوجس هذا الرجل، فهو وإن كان قد توقف عن المشاركة في المظاهرات بعد أحداث الجمعة، إلا أن مصيره لم يُحسم كما يعتقد.

رجل أعمال في جبة متظاهر !

حصل أقلوش على شهادته في الباكالويا، وحل في المرتبة الأولى على صعيد مدينة الحسيمة، وبسبب ذلك، وجهه أساتذته إلى استكمال دراسته في المدرسة العليا للتكنولوجيا والأعمال (ESTA) في مدينة فاس، حيث تابع تكوينه في هندسة الميكانيك لمدة عامين كاملين. لكنه لم يشأ الاستمرار في شيء لم يكن يحبه كثيرا، حتى وإن كان معناه أن يجعل منه مهندسا، ولذلك عاد إلى مدينته الأصل، لإدارة أعمال عائلته التي تملك فندقا ومقهى. « يعتقد الكثيرون أن ملكية فندق ومقهى يجعلك شخصا فاحش الثراء، لكن صدقني إذا قلت لك إن أعمالنا تتدهور سريعا ». وتتضرر المشاريع الموجودة في الحسيمة كثيرا لسنوات، بسبب عدم وجود استثمارات كبيرة تجلب فرص عمل، وتزايد هذا التدهور بسبب الحراك نفسه، لكن بشكل مغاير عما يمكن استنتاجه: « ما حدث هو أن مشاريعنا تعرضت للمحاصرة، وجيش الأشخاص والصحافيين الذين كانوا يصلون إلى الحسيمة طيلة الشهور السبعة الماضية، كانوا يُدفعون بعيدين عنا.. كانت تلك وسيلة لي لذراعنا، غير أن الأمور على ما يبدو، شرعت بالتراخي في الوقت الحالي ».

كان أقلوش ضمن النواة الأولى لحراك الريف، فهو كان موجودا في تلك الليلة التي قتل فيها محسن فكري، وكان بجانب ناصر الزفزافي حيث وقف لأول مرة، محتجا على ما حدث. « كنت في الفندق عندما سمعت بما حدث، ولأن المكان لا يبعد سوى بحوالي 100 متر، فقد أسرعت إلى هناك، وكنت ضمن الأوائل الذين كانوا معتصمين بالقرب من مفوضية الشرطة ». وبالفعل، يُظهر شريط فيديو صُور وبُث بشكل حي في تلك الليلة، أقلوش وهو جالس القرفصاء على مبعدة مترين من ناصر الذي كان واقفا ويُلقي بخطاب.

وبشكل لم يخطط له، كانت تلك الدائرة من الأشخاص المعتصمين هناك، هي ما تشكل لاحقا نواة حراك الريف، لكنهم في تلك اليومين العصيبين، لم يكن بإمكانهم أن يتصوروا كيف ستنتهي الأمور. « بعدما دفنا محسن فكري، عدنا إلى الحسيمة، وقدنا مسيرة هائلة من الناس وسط المدينة. كان العدد ربما يتجاوز 60 ألفا، وكان من الصعب علينا من دون وجود أي تنظيم، أن نتحكم في كل شيء، بل ولم تكن لدينا فكرة عما يجب فعله، أو ما ينبغي أن ننصح به المتظاهرين.. كنا وقتها مُقتادين من لدن الجماهير التي لم يكن يبدو أنها ترغب في سماع الكثير من النصائح أو الإرشادات في ذلك اليوم ». وفي تلك المعمعة، ووفقا لما يزعم، سيقترح أقلوش حلا مناسبا: « كنا نقترب من مقر مفوضية الشرطة، وكان يظهر لي بعض عناصر الأمن قليلي العدد، ومن دون أي تجهيزات، فقد كان ما يحدث أمرا غير متوقع بالنسبة إليهم. وقد أحسست بخطورة أن تتقدم المظاهرة نحو مقر الشرطة دون تأمين، لاسيما أن بعض المتظاهرين صغار السن كانوا غاضبين للغاية، وشعرت بأنهم سيقومون بعمل متهور إزاء الشرطة، وبسرعة، أمسكت بيد متظاهر بالكاد كنت أعرفه، وبشاب آخر، وطلبت منهما أن يقفا معي على رصيف مفوضية الشرطة، وأن يطلبا من شبان آخرين أن ينضموا إلينا، فاستجاب لنا بعض الشباب، ووقفنا جميعا مشكلين سلسلة بشرية لحماية الشرطة ». لكن هذه الفكرة لم تلق قبولا من بعض المتظاهرين، ويروي أقلوش أن مجموعة كبيرة من الشبان كانت تتقدم المظاهرة، شرعت في كيل السباب والشتائم إليه، وبصقوا على وجهه: « كانوا يعتبرون ما أفعله وقوفا إلى جانب الأشخاص الذين قتلوا محسن فكري. ومرت بعدهم مجموعة أكثر طيشا كما بدت لي، وقامت بأشياء مماثلة ضدي وضد باقي الشبان الذين كانوا معي، وربما كانوا ينوون أن يقتحموا مقر المفوضية، أو يهاجموا رجال الشرطة، لكن كيفما كانت نواياهم، فإن عملي وقف سدا منبعا في وجههم ».

كان أقلوش قد تخلى بشكل تدريجي عن أعماله في إدارة الفندق والمقهى، لكنه لم يكن يعتقد بأن الأمر سيطول كثيرا: « في تلك المرحلة، كانت الأعمال سيئة للغاية، ولذلك، وإن كنت مصنفا ضمن طبقة معينة في المجتمع لم يكن ينبغي عليها أن تتورط في مثل هذه الأمور، إلا أني لم أجد شيئا أكثر لأخسره.. كان من الصعب علي القبول بهذا الظلم وتبعاته، ولم أشعر بحجم الوقت الذي استغرق تفكيري كي أقرر أن أتحول إلى متظاهر ».

وسعى أقلوش حسبما يقول، إلى أن يصبح شعار السلمية في مظاهرات حراك الريف مبدأ لا محيد عنه، ولذلك، فإن السلاسل البشرية التي شوهدت مرارا في مسيرات الحسيمة لحماية المنشئات العمومية، أصبحت أمرا ثابتا، لكنه يشعر بأن الأشخاص أنفسهم الذين حرصوا على ذلك، وعملوا من أجله، باتوا في الوقت الحالي، ملاحقين من لدن الشرطة، ويوجد حتى الآن، اثنان من الشبان الذين كانت مهمتهم هي تشكيل تلك السلاسل، في سجن عكاشة بالدار البيضاء. وبالطبع، تكبر مخاوف أقلوش بسبب هذا: « لم أكن سوى متظاهرا يطالب بحقوق محددة، وسعيت بكل قوتي أن أواجه أي مسلك نحو العنف أو تزكيته، وفي كل مرة، كنت أرى فيها مظاهرة ما تكاد تتحول إلى مواجهات أو أن الشرطة بصدد تفريقها، كنت أغادر إلى الفندق الذي أديره. لقد كنت مؤمنا بهذه القاعدة كما كان ناصر يفعل ».

لكنه وهو يرى حملة التوقيفات المستمرة لرفاقه، يشعر بأن القبض عليه مسألة وقت ربما. بحكم عمله كمدير فندق في ملكيته، فإنه يحمل بيانات النزلاء عنده كل صباح إلى مفوضية الشرطة: « في بعض المرات، أفكر في أني لن أخرج من ذلك المكان، وهذا يعذبني قليلا، لكن حتى الآن، لم يقبض علي أحد، ووالدتي تتأكد بشكل يومي من أني عدت سالما إلى الفندق.. هكذا هي حياتي الآن ».

السجن للمال الذي دعم الحراك

وبالطبع، فإن هذه الحال على الأقل، أفضل من ما حدث لرجل أعمال آخر ساند الحراك، فوجد نفسه في سجن عكاشة. محمد حاكي هو إسمه، وهو يملك ويدير مقهى وسط الحسيمة، وعلى مبعدة أقل من 30 مترا من مقر مفوضية الشرطة. كان حاكي وهو شاب أيضا في الثلاثينيات من عمره، متحمس كثيرا لحراك الريف، ولذلك، لم تقف حدود تأييده عن شيء، فقد كان بمثابة حاضن لقيادة الحراك نفسها، وحول مقهاه إلى مقر رسمي لاجتماعاتها، وكان ناصر الزفزافي يبث خطبه على الفايسبوك من زاوية أعلى المقهى المسماة « المجرة ». « كان ناصر يجلس باستمرار في هذه المقهى، ويناقش بمعية القادة الآخرين خطط التظاهر وأشكالها، وقد كنت أحضر معهم بين الفينة والأخرى، وكنت متأكدا أن المقهى مراقب، لكن عادة لم يكن أحد يجلس في الطابق الفوقي سوى قادة الحراك فحسب »، كما يحكي أقلوش. يملك حاكي بجانب المقهى، محلا تجاريا، وعمارة سكنية، لكن معارفه قالوا لنا إنه كان يدير في حقيقة الأمر، ثروة لعائلته الموجودة خارج المغرب. وبالرغم من أن مقهاه كانت تعمل بشكل جيد، إلا أنه كان مؤيدا لمطالب الناس غير المحظوظين في مدينته، وقد كان يوفر لهم أجواء الارتياح الممكنة في مقهاه. كان قادة الحراك يجتمعون في مقهى أخرى في بداية هذا الأمر، لكنهم شعروا بأنهم مراقبون، وخافوا من فكرة أن تكون الشرطة تحصل على تسجيلات الكاميرات المثبتة في تلك المقهى، ولذلك عرض حاكي مقهاه لتكون مكانا لعمل القادة، وأيضا لارتخائهم.  كما قال لنا نادل في المقهى.

ومثل هذا التأييد اللامحدود من لدن رجل أعمال يحول مشروعه التجاري إلى وسيلة لدعم الحراك كان يشكل دون شك مخاطرة كبيرة. ومن الطبيعي إذن، أن يختبئ حاكي بمجرد شروع الشرطة في توقيف قادة الحراك. ولم يفر إلى أي مكان، بل وجد في الكوخ الشاطئي بمنطقة « صفيحة » ملجأ مناسبا بمعية ناصر الزفزافي نفسه. وقد قضى هناك ثلاثة ليال قبل أن تداهمهم الشرطة وتقتادهم جميعا إلى الدار البيضاء. وحتى في ذلك الملجأ، كان حاكي هو ممون القادة المختبئين بالطعام والشراب، وتلك كانت الوسيلة التي وصلت بها الشرطة إلى مكانهم على ما يبدو، فالنادل الذي كان يعمل هناك، واسمه غطاس فهيم، كان في كل عشية، يحمل حزما كبيرة من المقتنيات ويمتطي سيارة حتى ذلك الشاطئ. وبالطبع، فإن الشرطة، بمجرد ما أن قبضت على حاكي، ستعود لاحقا في اليوم نفسه، لتقبض على فهيم أيضا. وتجد لجنة تتبع قضية معتقلي حراك الريف صعوبة في تحديد مكان وجود أقارب محتملين لهذا النادل، فوالداه توفيا، ولم يسأل عنه أي شخص باستثناء محاميه الذين زاروه في سجن عكاشة كما فعلوا مع باقي المعتقلين.

شارك المقال