وقد خاب من حمل ظلما...

20/06/2017 - 14:21
وقد خاب من حمل ظلما...

كلما تتبعت أخبار الريف، كلما أثار استفزازي بعض المواقف والأصوات التي تنبع من مواقع وحسابات مختلفة، قد تزيد من تأجيج الوضع وقلما تبحث عن حلول، وأضع يدي على قلبي عندما أرى صور رجال الأمن وهم يحملون خوذاتهم وعصيهم في مواجهة بعض الشباب وشرارة الغضب تتطاير من أعينهم، وددت لو كانت الحجارة ورودا من جنان الحسيمة.
إن قطرة دم طفل، أو دمعة امرأة، أو صرخة شاب، لا يساويها أي شيء يحسب له حساب أو يقيم ماديا، لأن هؤلاء أبناءنا وأهلنا ومواطنونا، قد تكون رغبة اللعب لدى طفل تلبي حاجته الصبيانية، وقد تكون مأساة البطالة وضغط الحياة وأزمة الواقع حافزا لصرخة الشباب، وقد تكون لوعة الأم على أطفالها وإحساسها بوضع أبنائها دافعا لرفع صوتها ولذرف دموعها من أجل معتقل زاده السجن عنت الحياة.
فمطالب أهل الريف بلغت إلى مسامع الجميع، وملاحظاتهم شدت قلوبنا وهزت عقولنا، ودموع الأمهات اللواتي ينتظرن بأبواب السجون والمحاكم قد حزت في نفوسنا، والحناجر نقلت المطالب من شاطئ البحر الأبيض المتوسط بالحسيمة إلى شاطئ المحيط الأطلسي بالرباط.
وسقطت كأوراق الخريف تلك المواقف التي سعت إلى تصفية حسابات سياسوية ذاتية، ونزعت أوراق التوت عن خصر السياسة، فأنامل أطفال الريف وهم يحملون كراساتهم كانت أكثر وقعا من كلام السياسيين، أذكت فينا لوعة الحنين تجاه ذلك المهاجر الذي يراقب الوضع من بعيد، يريد العودة في صيف ساخن ليعانق أهله بالريف، غير أنه يتردد ويخشى على أطفاله ويفكر في ذويه، كل ذلك يجعل الحكماء يلتمسون من أنامل الأطفال ومن بصيرة العقلاء، ليوقفوا هذه الحركية التي تقودها نوايا حسنة، حتى يحبطوا تلك الحسابات الضيقة ومحاولات الاستغلال المقيت من البعض الآخر.
فالذين انتقلوا إلى الحسيمة متحملين مسؤوليات أمنية، وحاضرين بالريف بسبب وظيفتهم، يرغبون في العودة إلى ديارهم لمعانقة عائلاتهم في العيد، ومن الوطنية إنصافهم ونحن على أبواب العيد، في فسحة ستعطي فرصة للقرار السياسي لإعادة بناء ما تهدم من ركائز الثقة.
فدعوا الطفل يغادر مساحات الاحتجاج ليعود إلى شواطئ المدينة، دعوا الأمهات يكفكفن دموعهن ليصنعن بأناملهن حلوى العيد، دعوا الآباء يعودون من السجن لاحتضان أبنائهم في يوم العيد، دعوا المهاجرين يعودون إلى معانقة أهاليهم وأمواج شواطئ الحسيمة، دعوا السياسيين يصححون أخطاءهم، وذوي النيات السيئة يلعقون جراحهم، ودعوا العقلاء والحكماء يعيدون النظر ويصلحون كل ما اقترفه الغير، فمن يستطيع تكسير صمود جبال الريف؟
إن عظمة الريف ليست في التصعيد، عظمته في حكمة القرار عند الأزمات، عظمة الريف هي أنه بقدر ما يعرف متى يبدأ يدرك جيدا متى يتوقف، وكل من يسعى إلى الإساءة للريف يكون ظالما لنفسه وظالما للوطن، « وقد خاب من حمل ظلما ».
فماضي الريف المجيد سيمنحه حتما مستقبلا أجمل، ولأن الرسالة وصلت، فقد حان الوقت ليهدأ الجميع، ونبني مساحة من الزمن تفسح الفرصة للإجابة عن المطالب، فهناك عيدان على الأبواب، عيد الفطر وعيد العرش، ولأن من يحكم هذا البلد له من الحكمة ومن الرأفة ما يجعله يصبغ العيدين بلمسة من الفرح، من أجل تلك الأمهات اللواتي يبكين قرب المحاكم، أو أولئك الأطفال الذين ينتظرون عودة الأب من السجن ليعانقوا فرحة العيد.

شارك المقال