القوة الانتخابية هي سبب صعود بنكيران، وهي في الوقت نفسه سبب خروجه من المشهد. « هناك عوامل كثيرة ومتداخلة تضافرت في موضوع تجميد بعض الإصلاحات الكبيرة التي كان بنكيران ينوي القيام بها، لكن السبب الأول والرئيس، هو أن هناك في أوساط الخصوم من كان يظن أن تحقيق أحد الإصلاحات الكبيرة، مثل تحويل دعم المقاصة إلى دعم مباشر، سيكسبه قوة انتخابية إضافية، وهو ما جمّد الإصلاح »، يقول مصدر عاش التجربة من الداخل. المصدر نفسه أوضح أن « بنكيران جاء بفكرة رئيسة، وهي أن إمكانيات الدولة صحيح موجودة ويجب أن توزع بشكل معقول، لكنها لا تكفي، وبالتالي يجب أن نبدأ ممن لا يملكون شيئا، وهو ما قبله حتى الذين يعتبرون متضررين منه، المجتمع قبل الفكرة رغم ما يبدو فيها من ضرر على البعض ».
الفئات التي كانت تحظى بالأولوية في ذهن بنكيران، هي كل من المعاقين والأرامل والمتقاعدين الذين كانوا يتقاضون ما معدله ألف إلى 1500 درهم كل ثلاثة شهر، فأصبح هذا الدخل شهريا. « لكن هاجس الانتخابات بقي حاضرا، منذ 2012 ظلوا يقومون بالحسابات فيجدون أن أي خطوة للإصلاح سترفع من شعبية الحزب ورئيسه، ورغم عدم القيام بتلك الإصلاحات، كانوا منذ 2012 يجدون أن الحزب مازال قادرا على تصدر الانتخابات، فتأجلت عدة مرات إلى غاية 2015 ».
مع اقتراب الولاية الحكومية من الانتصاف، بدا خصوم بنكيران وقد مرّوا إلى خطة بديلة عن انتظار انخفاض الشعبية. انبرى « زعماء » آخرون إلى تقليد الأسلوب التواصلي لبنكيران. أسلوب جديد ومتفرّد في الساحة السياسية المغربية أتعب به بنكيران خصومه، إذ ظهرت معه كاريزما غير مسبوقة، ومعها قدرته الخارقة على الجمع والتوحيد والتأثير والتوجيه. مرحلة « بلوكاج » طويلة واجهتها الحكومة منذ مطلع العام 2013، ومباشرة بعد صعود حميد شباط إلى زعامة حزب الاستقلال. قصف عنيف شنّه هذا الأخير على بنكيران وحكومته وبعض وزرائه، دون أن يسايره بنكيران في ذلك.
« كانت هناك محاولة للاستدراج نحو معركة لا أحد يعرف كل خلفياتها وأهدافها »، يقول مصدر من داخل حكومة تلك الفترة. وعلى شباط الذي ربط خروجه من الحكومة الحالية بقرار الملك بدعوته إلى إعمال الفصل 42 من الدستور الذي يجعل الملك حكما بين المؤسسات؛ ربط بنكيران خروجه من التجربة الحالية بقرار الملك. عبدالإله بنكيران قال إن حزبه أتى بفعل زخم شعبي وسيبقى ببقاء هذا الزخم، وأنه باق في مساره إلا إذا ارتأى الملك إخراجه منها « ولجلالة الملك واسع النظر »، وذلك في لقاء مع جمعية مستشاري حزبه أواخر شهر ماي 2013.
« بدا واضحا يومها أن سيناريو محبك لإسقاط الحكومة أو شلّها على الأقل قد تم وضعه، لهذا حرص بنكيران على العودة إلى التأكيد على الثوابت والأساسيات في نهجه السياسي. وكان الخط الناظم لخرجاته هو التذكير بالأسلوب المتدرّج والإصلاحي الذي اتخذه الحزب منذ تأسيسه، وقبوله بالتوافقات »، يقول المصدر نفسه. فيما كان توجيه شباط لمدفعيته نحو وزراء حزب التقدم والاشتراكية قد أوشك على كسر التحالف الصلب بين حزبي « المصباح » و »الكتاب »، لدرجة خرج معها الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبدالله، للتلويح بالخروج من الحكومة، في تحذير من المساس بحقائب الحزب في أي تفاوض مع شباط. وبمجرد سماعه بحديث بنعبدالله عن إمكانية الخروج من الحكومة، حتى بادر بنكيران إلى الاتصال به وطمأنته، مؤكدا له أنه لن يتخلى أبدا عمّن وفى له.
كان مطلب تنظيم الانتخابات المحلية المؤجلة منذ 2012 قد عاد إلى الواجهة على لسان بعض قادة ومنتخبي حزب المصباح، في إطار لعب ورقة الشعبية والقوة الانتخابية في مواجهة خطط الخصوم. لكن بنكيران الذي كان ينظر إلى كواليس المطبخ، خرج في مستهل ذلك الصيف الساخن ليدعو أتباعه إلى الصبر وعدم الاستعجال. « أنتم حزب يمثل أمل الناس، وأيام الله طويلة وحنا ما زربانينش، لو استطعت تنظيم الانتخابات لفعلتها، لكن حنا ما زربانينش، راه السياسة هادي ماشي الرياضيات »، يقول بنكيران في إحدى خطبه.
كانت اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال قد اتخذت قرار الانسحاب من الحكومة بناء على قرار سابق للمجلس الوطني. الخطوة جعلت شباط وجها لوجه مع رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران، حيث ظلّ هذا الأخير طلية شهور ورغم كل الخرجات والهجمات التي أقدم عليها الأمين العام لحزب الاستقلال، يعتبر نفسه غير معنيّ بكل السيناريوهات المطروحة للنقاش، معتبرا أنه لن يتدخّل إلا حين يتوصّل باستقالات فردية أو جماعية للوزراء، بل ذهب بنكيران إلى الإعلان أنه وبعد أن يتوصّل بهذه الاستقالات، سيفكّر مليا قبل أن يحيلها على الملك، في محاولة منه للاحتفاظ بكل الأوراق التفاوضية بما فيها إقناع الاستقلال بالبقاء في الحكومة.
رغم الغياب الملكي الطويل في تلك الفترة عن المغرب، في إطار زيارات خارجية خاصة، كانت الأنظار كلها تتوجه نحو الموقف الملكي. وأولى بوادر هذا الموقف، حملها الخطاب الملكي بمناسبة 20 غشت، حيث تعرّضت الحكومة لانتقادات قاسية، خاصة قطاع التربية الوطنية الذي كان يتولاه الاستقلالي محمد الوفا. خطاب تفاعل معه بنكيران بطريقته الخاصة، حيث قال في كلمة له أمام شبيبة حزبه بعيد ذلك الخطاب، إن « التعليم بدأت فيه بوادر الإصلاح، صحيح باقي ما كملش، كاينة ملاحظات ما عندنا ما نقولو، لكن بدات بوادر الإصلاح وما بقاتش الإضرابات والناس فرحانين بنتائج الباكالوريا واخا كانت ناقصة، الأمور غاديا فالتعليم والتجهيز ومختلف المجالات تدريجيا ». بنكيران بدا حريصا على عدم الانجرار إلى المواجهة المباشرة مع المؤسسة الملكية، وحاول امتصاص غضب شباب حزبه من التطورات الأخيرة، وقال لهم بنبرة الأب الناصح: « لقد حبا الله هذه البلاد بخصوصية حافظ عليها المغاربة عن وعي وإصرار، هي الملكية ». وبدا رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران، في كثير من الأحيان، كما لو يبذل قصارى جهده ليتمكن من السباحة ضد التيار العام في صفوف شبيبته. وأمام اندفاع بعضهم نحو المطالبة بقلب الطاولة والذهاب الى انتخابات مبكرة، قال بنكيران: « ماشي معقول نمشيو لانتخابات سابقة لأوانها، نشوفو عاوتاني على الله، وحنا داخلين فحوار مع حزب سياسي آخر كلكم تعرفوه »، في إشارة إلى التجمع الوطني للأحرار، في مقابل تجديده الهجوم على حزب الأصالة والمعاصرة.
« اعتبر بنكيران أن الشباب بطبعهم دائما متحمسون، وأنهم دائما مستعدون للتضحية، لكن المسؤولين يجب أن يساعدوهم على أن يوجهوا طاقاتهم في الاتجاه الذي ينفع بلدهم، حتى تكون خطواتهم تقدما نحو الأمام »، يقول مصدر موثوق. وبعد شهور من « البلوكاج »، بدأت بوادر الانفراج في الظهور مستهل شتنبر 2013، « ففي يوم 8 أكتوبر ربط بنكيران اتصالات عاجلة بزعيمي الحزبين الحليفين داخل الأغلبية، التقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، ليلتقي الزعماء الثلاثة ليلتها ». أطلع بنكيران حليفيه بتوصّله بالضوء الأخضر لتشكيل حكومته الجديدة، بعد توصّله إلى اتفاق مع رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار. بعد ذلك كان على بنكيران أن يجتمع بالأمانة العامة لحزبه، ليخبرهم أن خروج سعد الدين العثماني من وزارة الخارجية، هو « التضحية » التي قدّمها بنكيران وفكّت عقدة المفاوضات مع الأحرار، ليصبح الأخير « أقوى » حزب داخل الحكومة بثمانية حقائب وازنة.
تضحيات حوّلت أول لقاء لبنكيران مع الفريق البرلماني لحزبه إلى مواجهة عاصفة مساء الجمعة 11 أكتوبر 2013، أي مباشرة بعد ترؤس الملك افتتاح البرلمان رفقة الحكومة الجديدة. « حتى ألخص لك ما حدث، بدا بنكيران كذلك الأب الذي يواجه مشاكل وضغوطات كبيرة في العمل، وبمجرّد ما يدخل إلى بيته يشرع في الصراخ والخصام مع أهله »، يقول مصدر ممن حضروا هذا الاجتماع.