عبد العلي اوعلي – انفرجت أساريري وأنا أشاهد شريط الفيديو المعنون «الصراحة راحة»، إذ دعاني إلى ذلك صديق لمحني أخرج من المسجد. فقد ذابت قطعة ثلجية فوق فؤادي السَّئِمِ من مشاهدة أعمال درامية فارغة في رمضان. على الأقل ستضحك الآن من فكرة ثاوية خلف العمل لا من خواء، وستسعى الضحكة بعد تلاشيها إلى استيراد المعاني المكنونة في العمل.
ومناط الشريط هو دور الخطيب فوق المنبر: أهو موظف حكومي بيروقراطي لتنفيذ السياسة الدينية للمملكة دون مناقشة، أم عالم دين مثقف يقلب الفكرة تلو الفكرة قبل رميها في وجه الجمهور؟ أجاء إلى الجمهور لإلقاء البلسم فوق الجراح العارية، تعصره الفكرة فيخرج مشروبا شافيا، أم هو رجل لا ترتاده غير فكرة وحيدة: صون الأجرة الشهرية؟
كانت الفكرة الملتهبة التي ساقها الشريط هي اعتبار الأفكار الواردة في الخطبة أفكارا بشرية غير مقدسة، إذ نرى المستمع لا يُسَلِّمُ للإمام في ما يذهب إليه من رأي جاعلا من السلطة الدينية سلطة عادية. ولعلي وإياك سنسلك الوادي نفسه، إذ نربط سياق الشريط بخطبة الجمعة في الحسيمة التي أسهمت في اعتقال الزفزافي. وإذا كان المستمع للخطبة قد سَلِمَ من الأذى في الشريط، فإن الزفزافي كان ضحية الترسانة القانونية التي أَلْفَتْ صراطا لاعتقاله. وكانت نقطة الخلاف بين الموظف الحكومي والقائد الميداني لاحتجاج الريف هو مفهوم الفتنة. فالقائد الميداني يتساءل: أمن الفتنة الصرخة من القهر؟ ويبدو أن الخطيب كان مَعْبَراً لنظرة السياسي لمفهوم ديني سياسي، أي الفتنة. مفهوم يوظف حسب الحاجة لنزع الشرعية عن أي احتجاج لا يروق السياسي. فالنص الديني يستخدم، في هذا السياق، بشكل انتقائي، باعتباره أداة فعالة لإضفاء الشرعية على الفعل السياسي أو نزعها منه.
وإذا كنا في المغرب ندرك أن الملكية تحتكر المجال الديني باعتباره امتدادا للسياسي، كما يكتسب رأس الدولة لقبا سياسيا استراتيجيا هو أمير المؤمنين، سندرك توا سبب مسارعة السلطة إلى اعتقال الزفزافي. فالسلطة لن تقبل أن يزاحمها في فضاء مخصوص، أي المسجد، أي خطاب آخر يروج إيديولوجيا أخرى غير الإيديولوجية الرسمية.
وقد لاحظنا كيف كان خطاب الزفزافي مكسوا بتعابير دينية، من قبيل تبجيل الزعيم الراحل محمد بن عبد الكريم الخطابي بـ«رضي الله عنه»، أو تسميته احتجاجات الريف بـ«المباركة». فهذه محاولة لتلوين خطابه السياسي بالميسم الديني لتأسيس أفق جماعي متلاحم حول أفكار الاحتجاج الريفي. فالدين، باعتباره عامل هوية، يشكل لاحما قويا لصفوف المحتجين. وإذا كان النص الديني ينهى عن إتيان أفعال تشويشية على فعل التلقي لدى الجمهور أثناء الخطبة، فان الزفزافي قام بخطوة، تشبه خطوة المستمع، شوشت على عملية التلقي داخل المسجد، إذ حاجج الإمام بأفكار واقعية لم تتشح باللبوس الديني.
ولعل هذا الصنيع يؤجج النقاش حول موقع الفكرة الدينية في الخطاب السياسي المعاصر. فعلى امتداد الخريطة العربية، هناك نقاش محتدم حول مكانة الفكرة الدينية في ميزان الحياة السياسية، وحول ضرورة إخلائها مكانها للفكرة السياسية البحتة أو عدم وجوب ذلك. وهنا نتساءل: هل ثمة فكرة سياسية بحتة؟ هل إذا استفتيت المفتي في عدد غسلات الوضوء في مكان قَصِيٍّ ليس به ماء: «هل يجب أن تكون ثلاثا أم واحدة للعضو؟»، أليس في ذلك محاكمة للسياسة المائية للدولة التي لم تستطع توفير ماء شروب للمجال الترابي الذي أوجد به؟ فالمستفتي ينطلق من معيشه المشرنق بقيود السياسة العامة، فكيف لا تكون السياسة بذلك المبتدأ والمنتهى؟
لا ريب أننا حين ننطلق من السياق التاريخي الأوربي، وسلطوية الكنيسة، وإحراقها العلماء النابهين، سنرى ضرورة نبذ الدين لأجل استنشاق هواء الحرية، لكن سؤالي هو الآتي: متى طبق الدين وسطنا حتى نتمنى التخلص منه؟ وهل تاريخنا والتاريخ الأوربي سيان؟ وهل تطبيق الرئيس الباكستاني السابق ضياء الحق أو الرئيس السوداني السابق جعفر النميري أو تطبيق أي دولة لبعض الحدود الشرعية يعني تطبيق المنهج الإسلامي برمته، حتى لو خلا ذلك من بند العدالة الاجتماعية التي هي أس الشريعة الإسلامية؟ وفيم اختلف الرئيسان السابقان عن عمر بن الخطاب الذي عطل حد قطع يد السارق عام الرمادة؟ ومن له الحق في كشف تسييس الدين لأجل غاية براغماتية؛ أهو العالم المثقف الناصح أم رجل الشارع العادي المستضعف كما ورد في الشريط؟
فلو تأملنا قضية خلق القرآن، سنجد المثقف العضوي، الإمام أحمد بن حنبل، يقف أمام الإيديولوجيا الرسمية القائلة بخلق القرآن غير آبه بالأذى الذي سيحيق به. فأين هو هنا خندق الدين الحق: أهو معسكر الإمام أحمد بن حنبل أم معسكر الخليفة؟ وهل من السهل إخراج الدين من وجدان الشعوب المسلمة، إذا اعتبر أفيونا مخدرا مدجنا، تماشيا مع رأي النخبة، لاسيما بعد تجربة كمال أتاتورك التركية؟
لقد كانت حضارتنا العربية الإسلامية مزدهرة بالأندلس أو المشرق، وشهدت حظوة العلماء الذين لم يرم بهم إلى المحرقة لجهرهم بفكرة اختراع جديد.
وإذا اتفقنا على أن تاريخنا مختلف عن التاريخ الأوربي، فسنتساءل عن دور الدين في حياتنا المعاصرة. فإذا كنا نرى أنه لم يعد للفكر الحديث حاجة بالدين، فلم يدعو البابا بالأمن والاستقرار للاجئين السوريين عوض اهتمامه بالأقانيم الثلاثة؟ ألأن الدين خزان للقيم الأخلاقية السامية، أم لأن له وظيفة علاجية للنفوس المكلومة؟ ولماذا تصلح منظمة سانت إيجيديو الكاثوليكية في حل الخلافات السياسية؟ ولماذا لم تدخل تركيا الاتحاد الأوربي بعد؟ إن ما أود قوله هو أن الدين مازال يلعب دورا محوريا في رقعة السياسة ورقعة الحياة العامة.
وإذا كان الأمر كذلك، فسنستفسر: هل كان يجب أن يكون خطاب خطيب الحسيمة خطابا تنفيريا للمحتجين، ينتبذ فيه الخطيب مكانا متحيزا للجهة الموظفة له، أم كان عليه أن ينتهج خطابا متعاليا يصهر الجميع في بوتقة حب الوطن، كما قد يفعل البابا لو كان مكانه؟ إننا هنا سنتدخل في مسألة احتكار الخطاب الديني. فإذا كان الخطباء قد يتم توقيفهم لخروجهم عن الصراط المرسوم، فسيجعلنا ذلك نتساءل: هل من طبيعة المنظومة الدينية الإسلامية فصل الخطاب السياسي عنها؟ سنتفق أن من واجب الخطاب ألا يناصر مرشحا سياسيا معينا من فوق المنبر، وأن يُفَعِّلَ الخطاب الأخلاقي المنفر من بيع الأصوات حين الانتخابات، وأن يسهم في ترسيخ الصلابة الأخلاقية للمترشحين المؤمنين، لكن رؤيتنا لن تكتمل دون النظر صوب مناقشة السياسة الدينية للدولة. فخطيب الفتنة كان مجانبا للسياسة الحكومية. فلو كان الأمر فتنة، فَلِمَ هب الوزراء إلى الحسيمة لاستطلاع حاجات طبيعية؟ فهل الوزير الذي يحاور المحتج «الفتان» يعتبر مسهما في الفتنة، لاسيما أن متن الخطبة لم يتضمن أي إجابة عن مطالب المحتجين؟ وهل لهذا الاحتجاج ارتباط بالانفصال؟ وإذا كان كذلك، فلم يوجه هؤلاء الريفيون «الانفصاليون» خطابهم نحو القصر توا دون وسيط مؤسسي؟
ستختلبك الضحكة تلو الأخرى وأنت تشاهد الشريط، وستخمد هذه الضحكة رويدا رويدا بعد فراغك من مشاهدته، وستشعر بأنك استحممت تحت شلال بارد من الأفكار الحامية التي ساقها الشريط، وستعتورك فكرة وحيدة: هل كان الزفزافي والخطيب محقين في ما فعلاه؟ قد تنام وأنت تئن تحت أثر المعضلة: أيهما كان محقا: الزفزافي أم الخطيب؟