لنتوقف عن الحديث عن "البيئة"

06/07/2017 - 14:48
لنتوقف عن الحديث عن "البيئة"

تحمل الكلمات التي نستعملها يوميا معان أكثر من تلك التي لها اليوم، وتواصل جر حمولاتها السابقة. ولهذا يجدر الاهتمام بـ »علم أنساب » (جينيالوجيا) الكلمات أكثر من أصولها اللغوية فقط.
وتستحق كلمة « environnement » (بيئة) تحليلا في هذا الإطار. فقد ولدت منذ زمن بعيد- منذ القرن الثامن عشر على الأقل- في الإنجليزية والفرنسية بمعنى « مدار » (circuit)، شكل (contour). وبعد قرن من ذلك أصبحت تعني « ما يحيط بـ » (ce qui entoure). وكان يجب انتظار النصف الثاني من القرن العشرين ليصبح مدلوله « ما يحيط بالإنسان » (ce qui entoure l’homme)، ثم بعد ذلك صارت جامعة لرهانات الطبيعة.
ومنذ أن اكتسبت هذا المعنى، أصبحت واحدة من تلك الكلمات التي لها « إيحاء » إيجابي في كل اللغات. وهذا الإيحاء هو: نحن مع الطبيعة. فالدفاع عنها ضروري، ولا أحد يجرؤ على مناقشة ذلك.
وتستعملها كل الحكومات بهذا المعنى، وتم إدراجها في كل النصوص الدولية بدلالة عامة تبدأ من « ما يحيط بنا »، إلى « رهانات الطبيعة ».
ولكن هذه الكلمة تمرر بدهاء مفهوما خاطئا حد الخطورة: لكونها تعني « ما يحيط بنا » فوجودها رهين بنا. وبالتالي فالـ »environnement » (البيئة) لا تمثل في نهاية المطاف الطبيعة التي تستحق الحماية لذاتها فقط، بل إن الضروري منها للنوع البشري- أو لنا نحن الذين نعيش اليوم- هو وحده الذي تجدر العناية به.
لا يتعلق الأمر بمجرد تضارب في المعنى، بل إن الفحوى الذي تحمله هذه الكلمة يحيلنا على الأهم: بوعي أو بدونه، نواصل، عند الحديث عن الـ »environnement »، الإحالة على الدفاع عن الطبيعة فقط، لكونها الحاضن لحياتنا. فلا ننشغل، في الواقع، عند الحديث عن البيئة، سوى بذواتنا. بمعنى آخر، فما « لا يحيط بنا »، ما لا يخدمنا، ما لا يؤذينا لشكل مباشر، لا يدخل ضمنها، وليس جديرا بالحماية.
لما نتحدث عن الـ »environnement »، فإننا نحدد الطبيعة في علاقة بالإنسان، وليس لذاتها، في مقاربة تعتمد « المركزية البشرية ».
والحال أن الإنسان ليس، ومنذ زمن طويل، مركز الكون. ولكن هذا الإقرار بهذه الحقيقة كانت دوما صعبة عندما يتعلق الأمر بالتخلي عن « المركزية البشرية » ثم « مركزية الأرض » و »مركزية الشمس ». وكلها كانت معارك تطلبت موت رجال يتحلون بشجاعة كبيرة، مثل موت ذاك الرجل الذي لا أتوقف عن إبداء إعجابي به، والذي أستشهد به دائما: جيوردانو برونو (giordano bruno).
ولعل أكبر دليل هو نصوص القوانين والمعاهدات الدولية التي لا تتحدث سوى عن مكافحة ما يهدد حياة وحقوق الإنسان. بعض القوانين، وهي جد نادرة ولا تتحلى بقوة النفاذ، تتحدث عن الحفاظ على النوع البشري. ولا واحدة منها تشير جديا إلى حماية الحياة أو حماية كل الأشياء، بما فيها تلك التي لا تعتبر حية.

وبالتالي، فلا مناص من مواجهة السؤال الحارق: هل يجب الدفاع عن الحياة، الكوكب، الكون حتى وإن لم يكن ذلك يدخل ضمن مصلحة النوع البشري؟ هل يجب الدفاع عنها حتى وإن كان ذلك على حساب النوع البشري؟
في تقديري، الإجابة عن هذين السؤالين تكون بالإيجاب. ويجب التخلي عن الإشارة إلى « البيئة »، والحديث بدل ذلك عن الحياة، التي لا نشكل ضمنها، وبكل تواضع، سوى « نوع » عابر. وفي هذا الأمر أكبر حماية لنا: حياتنا رهينة بوجود كل الحيوات الأخرى، الماضية والحاضرة والمستقبلية. وإذا اقتصر اهتمامنا بحياتنا فقط، فإننا سنهمل وندمر كل الحيوات التي كانت- ومازالت وستكون- السبب في وجودها، حتى وإن كان ذلك وفقا لمسارات لم نستوعبها جيدا بعد.
إذا كنا نرغب في تجنب « الاندثار السادس » الذي يهددنا، فيتعين علينا – وهذا دون التخلي عن البناء، والإبداع، والاكتشاف، وإصلاح العالم- الاهتمام بالطبيعة بدون الإشارة مباشرة إلى مصلحتنا. ولعل هذه هي الوسيلة الأكثر فعالية للدفاع عنها.
ترجمة: مبارك مرابط
عن « ليكسبريس »

شارك المقال