كواليس وخلفيات معركة الخبرة الطبية حول "تعذيب" معتقلي الحسيمة

07/07/2017 - 11:00

تفاعلات متواصلة مازال يثيرها نشر تقرير الخبرة الطبية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، حول التعذيب الذي تعرضه له معتقلو الحسيمة، فقد خرجت وزارة العدل عن صمتها لتعلن، أول أمس، أنها أحالت التقرير على القضاء، مشيرة إلى ضم هذه الخبرة «ملفات القضايا المعروضة بعضها على قاضي التحقيق والبعض الآخر على المحكمة لاتخاذ المتعين قانونا»، قبل أن تذكر بأنه «سبق للنيابة العامة أن التمست من قاضي التحقيق إجراء خبرة على كل من ادعى التعذيب، وأنه تم إجراء الخبرات الطبية القضائية المنصوص عليها قانونا»، لكن ما قيمة الخبرات المنجزة سابقا، مقارنة بخبرة المجلس الوطني، خاصة أنه لم يتم إعلان نتائج تلك الخبرات؟ عبد العزيز النويضي، أحد محاميي معتقلي الحسيمة، أكد لـ »اليوم 24″ أن الخبرات التي أنجزت على معتقلي الحسيمة، بطلب من النيابة العامة في كل من محكمتي الدار البيضاء والحسيمة، لم يقم بها أطباء شرعيون مختصون، «بخلاف الخبرة التي أسندها المجلس الوطني إلى طبيبين شرعيين معروفين»، مشيدا بالعمل الذي قام به المجلس، ومعتبرا أن نتائج خبرة المجلس الوطني «خلصت إلى ما توصل إليه الدفاع عن تعرض المعتقلين للتعنيف». النويضي انتقد في المقابل بلاغ الإدارة العامة للأمن الوطني، الذي انتقد تقرير المجلس، قائلا لـ »اليوم 24″، إن «التقرير الذي أنجزه المجلس موجه للقضاء، ويجب على إدارة الأمن الوطني احترام المسطرة الجارية أمام القضاء»، معتبرا انتقاد إدارة الحموشي للتقرير بمثابة «محاولة للتأثير على القضاء». أكثر من هذا اعتبر النويضي أن «أسلوب الإنكار من طرف الإدارة العامة أصبح متجاوزا»، وأن ملاحقة بعض الموظفين بتهمة التعذيب «يعطي مصداقية للمغرب، ويكشف أن مثل هذه الممارسات ليست ممنهجة».

لكن، لماذا أثيرت كل هذه الضجة بسبب نشر تقرير المجلس الوطني؟ التقرير المعد من الطبيبين الشرعيين، هشام بنيعيش وعبد الله الدامي، والذي حصل « اليوم 24 » على نسخة منه، يحمل تاريخ 22 يونيو 2017، وحسب مصدر من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، فإن المجلس أحاله على وزارة العدل في التاريخ نفسه، ما يعني أن الوزارة احتفظت بالتقرير ولم تتفاعل معه طيلة حوالي أسبوعين. مثل هذه التقارير عادة ما تكون داخلية، وموجهة إلى الجهات المعنية، ولا يعمل المجلس على نشرها إلا بعدما يتم تضمينها في التقارير النهائية للمجلس، فهل تم تسريب التقرير بهدف الضغط على وزارة العدل لدفعها إلى تحريك المتابعة؟ النتيجة كانت واضحة، فبعد ساعات من نشر خلاصات التقرير، الذي يتحدث عن تعرض المعتقلين للتعذيب، خرج وزير العدل، محمد أوجار، عن صمته، ليعلن أن وزارة العدل أحالت تقرير المجلس «فور توصلها به» على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالحسيمة، لكن هذه الإحالة تثير عدة تساؤلات؟ وزارة العدل تشير إلى أن الإحالة تمت «فورا»، دون الإشارة إلى تاريخها. « اليوم 24 » اتصل بالوكيل العام للملك بالدار البيضاء، حسن مطار، الموجود في مهمة خارج المغرب، فأكد توصله بالخبرة المنجزة من طرف المجلس، مشيرا إلى أن خبرات طبية أخرى سبق إجراؤها، على المعتقلين أنفسهم، لكنه لم يكشف ما إذا كانت قد أثبتت وجود تعذيب أو عنف. بعض الحقوقيين يتساءلون عمَّ إذا كان من الأخلاقي إحالة خبرة طبية على جهة قضائية سبق أن اقتنعت، من خلال «فحوصات طبية»، بأنه لا يوجد أثر للتعذيب؟

لكن، هل تقارير المجلس الوطني ملزمة للقضاء إلى هذا الحد؟ من الواضح أن تقارير المجلس عادة ما تكون ذات طبيعة استشارية، ويتم الاستئناس بها عندما تتعلق بإبداء الرأي في موضوع معين، إلا أن التقرير المعني، ذو طبيعة خاصة، فهو عبارة عن «خبرة طبية» قام بها طبيبان شرعيان معروفان، فهشام بن يعيش هو أستاذ الطب الشرعي بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء، ورئيس قسم الطب الشرعي بالمستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء. أما عبد الله الدامي، فهو طبيب مختص في الطب الشرعي في المستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، وهو نائب رئيس الجمعية المغربية للطب الشرعي. وكلا الطبيبين معرفان بالقيام بعدة مهام طبية بطلب من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وبالتالي، فإن ما ورد في تقريرهما يكتسي أهمية كبيرة تستوجب تحرك النيابة العامة. من جهة أخرى، فإن المجلس الوطني أصبح معنيا بتتبع حالات التعذيب، بعد مصادقة المغرب على البروتوكول الاختياري لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، الذي ينص على إحداث آلية وطنية مستقلة للوقاية من التعذيب تسهر على زيارة أماكن الاحتجاز، وتعزيز حماية الأشخاص من التعذيب، وهي الآلية التي أسندت إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، من خلال مشروع قانون معروض على البرلمان. وينص القانون الجنائي الحالي على عقوبات قاسية ضد التعذيب تتراوح بين 5 سنوات والمؤبد، في حين وردت في مشروع القانون الجنائي المعروض على البرلمان تدقيقات جديدة على جريمة التعذيب، وتشديد للعقوبات والغرامات. وتعتبر إحالة ملفات التعذيب على النيابة العامة تحولا في مسار ملف معتقلي الحسيمة، فهل سيصل التحقيق إلى منتهاه؟

شارك المقال