قبل شهر ونصف، هزت المستشفى الإقليمي محمد الخامس بمكناس، فضيحة من العيار الثقيل، تمثلت في سرقة الوحدة المركزية لجهاز التشخيص « السكانير »، كانت تحتوي على برنامج باهض الثمن، يمكن من قراءة الفحوصات الطبية، وهي الواقعة التي أثارت الكثير من الجدل، وأعادت سؤال الوضع الصحي بالعاصمة الإسماعيلية إلى الواجهة، خاصة وأن مستشفى محمد الخامس شهد، قبل هذا التاريخ، واقعة أكثر إثارة، بعدما عمد طبيب جراح إلى توثيق صور للمركب الجراحي، تظهره في وضعية إهمال تام لشروط النظافة، حيث حلت لجنة تحقيق مركزية، واستمعت لعدد من الأطراف، قبل أن تقرر وزارة الصحة عرض الطبيب على اللجنة تأديبية، بعد ثبوت وجود علاقة بينه وبين الصور التي تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
من جهتها، تلح إدارة المستشفى الإقليمي محمد الخامس، على ضرورة تتبع المشاكل المرتبطة بالعرض الصحي، ومناقشة كيفية تطوير الخدمات العلاجية، بدل التركيز على نقل الخلافات داخل المستشفى، وتصويب « الكاميرا » نحو قضايا، تقول إنها هامشية ولا قيمة لها.
« اليوم24 » ينقل أعطاب المنظومة الصحية بمدينة مكناس، وتكشف المسكوت عنه في رحلة العلاج، التي تكلف المكناسيين، وتحمل المرضى القادمين من أزرو وخنيفرة والحاجب ومريرت.. أعباء إضافية تثقل كاهلهم.
هكذا بدأ الجدل.. صور مروعة للمركب الجراحي
تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أشهر قليلة، صورا لقاعة إجراء العمليات الجراحية، في المستشفى الإقليمي بمدينة مكناس، أظهرت وضعية إهمال تام لشروط النظافة، خاصة في قاعة يفترض أن تتوفر فيها، حسب تصريح لمسؤول طبي، المعايير الطبية اللازمة.
وكان مسؤول في مستشفى محمد الخامس، أكد ل »اليوم24″، أن الأمر يتعلق بفعل مقصود وعمدي، قام به أحد الأطر الطبية، عمد إلى قلب الحاويات التي تخصص لجمع النفايات، قبل أن يقوم أحدهم بتصوير غرفة العمليات، وكأن الأمر يتعلق بوضعية إهمال من طرف إدارة المستشفى.
واقعة الصور المروعة للمركب الجراحي، استنفرت مصالح وزارة الصحة، بناء على محضر حررته إدارة المستشفى، وعجلت بإيفاد لجنة مركزية، قررت إثرها إحالة الطبيب المعني على أنظار اللجنة التأديبية، بعد ثبوت وجود علاقة بينه والصور، التي تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
سرقة وحدة مركزية لـ »السكانير ».. من المسؤول ؟
قبل شهر، فتحت مصالح الأمن بولاية أمن مكناس، بتعليمات من النيابة العامة المختصة، تحقيقا في واقعة سرقة وحدة مركزية متصلة بجهاز التشخيص « السكانير »، وتحتوي على برنامج « بيرنام »باهض الثمن، يستعمل في قراءة الفحوصات الطبية، وهي الواقعة التي طرحت سؤال الأمن والضبط داخل المستشفى الإقليمي، الذي ما زال يلعب دور المستشفى الجهوي، بالنظر إلى عدد المرضى المتوافدين عليه، سواء من داخل الحاضرة الإسماعيلية، أو من المدن المجاورة كخنيفرة وأزرو وإفران وسيدي قاسم..
واقعة السرقة تركت انطياعا سيئا لدى ساكنة مكناس، التي ما زالت تنتظر نتائج التحقيق، وتعتبر أن اختراق قاعة التشخيص من طرف غرباء، والاستيلاء على وحدة مركزية، يفيد غياب المراقبة اللازمة، خاصة حينما تتكرر مثل هكذا حوادث.
في هذا الإطار، قال مدير المستشفى الإقليمي محمد الخامس، سعيد لفقير، إن حوادث السرقة مسألة عادية، تتكرر باستمرار داخل كل المرافق والمؤسسات العمومية، والجهات المختصة تتكلف بتتبع الملف، الذي ينبغي أن يأخذ حجمه الطبيعي.
وأضاف الدكتور لفقير، في تصريح ل »اليوم24″، أن الرهان الحقيقي يرتبط بمناقشة مشاكل قطاع الصحة، والبحث عن سبل النهوض بالخدمات العلاجية في الإقليم، خاصة وأن مستشفى محمد الخامس، يؤكد لفقير، يستقبل المرضى المنحدرين من مدن وجماعات قروية خارج إقليم مكناس، ما يجعل التحدي كبيرا، تزداد حدته بتراكم مشاكل وإكراهات مادية وبشرية.
الصحة في مكناس.. 4 مشاكل أساسية !
اكتشاف حجم معاناة المرضى بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس، يبدأ بمعاينة وضعية الاكتضاض الذي يشهده جناح المستعجلات، وأيضا الجناح المخصص لأداء واجبات الصندوق، حيث يتوافد على قسم المستعجلات ما يزيد عن 600 مريض يوميا، الشيء الذي يطرح مشكل الخصاص في الموارد البشرية، وتوفر المستشفى على أطر طبية وشبه طبية متقدمة في السن، على اعتبار أن جل العاملين بمختلف التخصصات الطبية، سبق لهم الاشتغال في مستشفيات ومراكز صحية خارج العاصمة الإسماعيلية.
وحسب ما أكده مدير المستشفى، الدكتور لفقير، فإن مدينة مكناس تعد قبلة للاستقرار، والأطر الطبية التي تشتغل في مدن أزرو وإفران والحاجب.. تعتبر العاصمة الإسماعيلية قبلة لاحقة للعمل، وهذا ما يفسر توفر المستشفى على أطر متقدمة في السن، إذ بالرغم من كفاءتها، التي لا يمكن التشكيك فيها أبدا، تتقلص نسبة الحيوية بالشكل الذي يميز الأطقم الشابة.
ودعا مدير المستشفى إلى ضرورة إعادة النظر في طريقة تعيين الخريجين، إذ بدل تركيزهم في الهامش، لابأس من تخصيص جزء منهم لمستعجلات المدن، التي تعاني نقصا حادا في الأطقم الطبية وشبه الطبية.
وحسب الإحصائيات الرسمية، فإن مستعجلات محمد الخامس استقبلت، خلال سنة 2016، ما يزيد عن 160659مريضا، فيما بلغ عدد المستفيدين من الفحص المتخصص 27196 مريضا، وذلك في مدينة يناهز عدد سكانها مليون نسمة.
التجهيزات الطبية.. مليون نسمة تستفيد من تجهيزات 1956 !
لم يتردد مدير مستشفى محمد الخامس، الدكتور سعيد لفقير، في الكشف عن واقع التجهيزات والمعدات الطبية بالمستشفى الإقليمي، بعدما أكد على ضعف التجهيزات الطبية، واعتبر المعدات التي يتوفر عليها المستشفى لا تواكب التحولات التي تشهدها العاصمة الإسماعيلية على المستوى الديمغرافي، خاصة وأن مستشفى مكناس يعود تاريخ تشييده لسنة 1956، انتقلت معه نسبة الساكنة من 120 ألف إلى مليون نسمة، ما يفرض إعادة تأهيل المستشفى، وتطوير تجهيزاته ومعداته الطبية.
واعترف المدير بالمجهودات المبذولة، كان آخرها تجهيز المستشفى بجهاز « سكانير » جديد، بعد اتفاقية عقدتها وزارة الصحة مع المجلس الجهوي لمكناس تافيلالت – التقسيم الجهوي السابق – في إطار إعادة هيكلة المستشفى الإقليمي، حيث انصب الاهتمام على تجهيزات مصلحة الإنعاش، وإصلاح جناح المستعجلات، وذلك بكلفة مالية ناهز 6 مليون درهم.
5 مستشفيات عمومية.. تشتت الخدمات الصحية
من جملة مشاكل قطاع الصحة بإقليم مكناس، حسب المصدر نفسه، ما يتعلق بتشتت المستشفيات داخل المدينة، حيث تتوفر العاصمة الإسماعيلية على 5 مستشفيات عمومية، توزع خدماتها على المرضى المنحدرين من مكناس وخارجها.
تشتت المرافق الصحية يطرح إكراه الموارد البشرية، وكذا المعدات الطبية اللازمة، حيث تتوزع الأطر الطبية وشبه الطبية بشكل يؤثر سلبا على الخدمات العلاجية، ليس كما هو الشأن بالنسبة للمراكز الاستشفائية الكبيرة، التي توحد أطقمها البشرية، وتوجهها نحو مهمة أساسية، وذلك بأقل كلفة ممكنة.
الاعتداء على موظفي قطاع الصحة.. غياب التواصل !
الزائر لمستشفى محمد الخامس يكتشف حالة التشنج بين الموظف والمريض، وأيضا بين رجال الأمن الخاص وأقارب المرضى؛ مشاداة كلامية، تبادل للاتهامات، سلوكات تتطور لتبادل العنف، وتنتهي بتدخل رجال الأمن، وتحرير محاضر قضائية في أقسام الشرطة.
« علاقة الموظف بالمريض أصبحت متشنجة، وغضب المواطن على موظف الصحة غير مقبول، لأن هذا الأخير غير مسؤول عما يقع في قطاع الصحة »، بهذه العبارة لخص مدير مستشفى محمد الخامس علاقة المواطن بالمرفق الصحي، وكشف عن تراجع خطير على مستوى احترام المهام التي تقوم الأطر الطبية وشبه الطبية، لدرجة تجعل حياتهم معرضة للخطر، بسبب احتجاجات المواطنين، التي قال إنها مجردة من الوعي بالمسؤولية، لأن الموظف في المستشفى لا ينفذ سوى القانون والتوجيهات الرسمية.
« قالوا لي نخلص 2260 ريال باش ندير الراديو.. هاذ الناس متيحشموش »، بهذه العبارة لخصت مريضة معاناتها، وكشفت حقيقة ما وصفته ب » وهم الصحة العمومية »، ذلك أن مريضة ظلت تتوسل المواطنين، علها تكمل مبلغ الصندوق، للاستفادة من خدمة التشخيص ب »الراديو ».
رقم قياسي: مستعجلات مكناس تستقبل أزيد من 600 مريض يوميا
كشفت إدارة مستشفى محمد الخامس، في إطار التنبيه لمحدودية الموارد البشرية بقسم المستعجلات، عن رقم قياسي بشأن عدد المرضى المتوافدين على جناح المستعجلات، والذي يتجاوز معدل 600 مريض يوميا، جلهم ضحايا لاعتداءات و »كريساج » وتبادل للعنف في الشارع.
ما سبق تؤكده مصلحة تسليم الشواهد الطبية، التي تنجز يوميا ما يزيد عن 40 شهادة طبية، كلها مرتبطة بحوادث الاعتداء، الشيء الذي فرض على إدارة المستشفى تأسيس خلية مكلفة بالعنف، مهمتها مراقبة وتتبع وضبط الوضع الأمني بالمستشفى الإقليمي، لأن عناصر الأمن العمومي، يؤكد مصدر طبي مسؤول، أصبحت متجاوزة وتدخلها يكون متأخرا.