ما يؤلمنا كثيرا، أنه بعد مواجهات وصراع ثلاثة أجيال من أجل تكريس مبادئ حقوق الإنسان ببلادنا، أصبح يبدو في الأفق نوع من التراجع المثير للاستفزاز عن هذه المبادئ والمكتسبات.
وهنا أتذكر موقف الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران حين قال: « إن حقوق الإنسان لن تكون أبدا مكسبا »، أي إنها ستظل موضوع صراع بين قوى مختلفة، ولكن كل ذلك داخل وحدة الدولة ونسقها العام لأن الدولة هي التي تجمعنا جميعا، وحقوق الإنسان لم تنشأ لمواجهة الدولة أو السلطة، بل لتنظيم هذه الأخيرة وحسن تدبيرها.
والموضوع الذي يطرح نفسه علينا، الآن وبقوة، هو تحول تطورات حراك مدينة الحسيمة والريف عموما، إلى موضوع لإجراء تقييم حقيقي لقضية حقوق الإنسان ببلادنا، ومن هذه الزاوية ظللت أراقب كيف تستطيع الدولة أن تتصرف وفقا لهذه الحقوق في ظل مثل هذه الأزمات؟ وهذا هو الامتحان الحقيقي لمؤسسات الدولة.
لهذا فما يجب ألا يغيب عن الذهن، هو أن الدولة نفسها جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان، هذه المنظومة التي لا تحترم إلا في ظل دولة مؤطرة قانونيا ومستندة مؤسساتيا، وأي إخلال بها لن يمس المنظومة وحدها فقط، بل سيضعف الدولة نفسها، لهذا واهم من يعتقد أن الوحيد الذي يذهب ضحية الخروقات هي الحقوق وحدها لكونها ذلك العنصر الهش داخل منظومة الدولة، بل الدولة برمتها قد تكون الضحية.
وعلينا حينما نناقش قضية حقوق الإنسان في لحظة الأزمات، فيجب أن نتعامل بنوع من الذكاء الجماعي البراغماتي لمواجهة مثل هذه القضايا الكبرى وهذه اللحظات العصيبة، والدول الأكثر تجربة في مجال حقوق الإنسان تستحضر دور القضاء في مثل هذه الظروف، ليس لحماية منظومة حقوق الإنسان فحسب، ولكن لحماية الدولة ككل، وهذا لا يعني إقصاء الفاعل السياسي، بل يبقى هذا الأخير حاضرا بقوة بصفته مسؤولا عن إعمال واحترام منظومة حقوق الإنسان، من خلال مراقبته للجهاز الإداري المكلف بإدارة الدولة على مستوى القرار السياسي لضمان حسن إدارته للأزمة.
لهذا في لحظات الأزمات لا يجب أن نضحي لا بمنظومة حقوق الإنسان ولا بقوة الدولة وهيبتها، فعندما تحضر مثلا مؤشرات حقيقية عن وقوع التعذيب، أو عندما تتسرب صور أو أشرطة فيديو تمس بالكرامة الإنسانية الواجبة الاحترام، فيجب قبل توجيه الاتهامات لهذا الطرف أو ذاك، أن يقوم القضاء بدوره، وعلينا كفاعلين حقوقيين وقانونيين أن نضغط في هذا الاتجاه، حتى تكون نتائج القضاء حاسمة في إنهاء هذا التصرف المخل والشاذ عن الحقوق.
صحيح أن الدولة مسؤولة عن تصرفات موظفيها الذين هم مجموعة من الأشخاص، غير أن تصرفات بعض من هؤلاء الأشخاص غير مرتبط بتصرفات الدولة ككل، إلا إذا كان هذا التصرف متكرر وممنهج بشكل ملاحظ، وحينها تنتقل المسؤولية من الأفراد إلى الدولة كجهاز، وإلى الحكومة بصفتها المسؤولة السياسية عن تصرفات جهاز إدارة الدولة.
ومن ثم فدور الناشط الحقوقي في هذا المجال هو الدفاع عن منظومة حقوق الإنسان، لكن في إطار احترام المؤسسات القضائية لتقوم بدورها في البحث والتحقيق وتحديد المسؤوليات، وبالكف عن توزيع الاتهامات يمينا ويسارا من خلال تحليلات تستند على مواقف مسبقة، حتى لا نخسر مكتسباتنا في مجال حقوق الإنسان، ونخسر، كذلك، مؤسساتنا، باعتبار الاثنين من المكاسب التي صنعها المغاربة عبر سنوات من التضحيات الجسام من أجل بناء دولة تحترم فيها الحقوق والحريات، ومن ثم فترتيب المسؤوليات عند وقوع انزلاقات هنا أو هناك، لا يعني إعدام هذه الجهة أو تلك، بل لتحديد المسؤولية الفردية والمؤسساتية وإعمال القانون لفائدة العدالة، لضمان أمن واستقرار المجتمع ككل، مؤسسات وأفراد.