سياسيون تحت الأرض

25/07/2017 - 10:28

ظلت الديمقراطية موضوع نضال في بلادنا لعقود من الزمن، حتى اعتقدنا جميعا بأنها أصبحت مكسبا، غير أنها تحولت هذه الأيام من مكسب إلى سؤال مؤرق، جعل البعض يعيد فهمه للديمقراطية من الحديث المقتضب عن البرلمان وعن الحق في الخروج إلى الشارع، إلى موضوع طبيعة المؤسسات ومضمون الخطاب وعلاقة المسؤولين بالمحاسبة، خاصة أن من مخاطر الانزلاق عن حقيقة كنهها السقوط في « اللخبطة »، التي ستعكس فقدان البوصلة السياسية وتفكيك مفهوم المصلحة العامة التي ترمز إليها الدولة.

وإذا كانت الدولة هي مجال ممارسة الديمقراطية، فإن الأحزاب هي وسيلتها المثلى، وخدمة المواطن هو هدفها الأسمى، فالأحزاب لا تساهم فقط، في تأطير المواطنين لممارسة حقوقهم الديمقراطية فحسب، ولكن لكي تكون حاضرة لمساندة الدولة قصد خروجها من الأزمات، ولتمكنها، كذلك، من الأفكار وتطعمها بالأطر وتشاركها في التفكير وبلورة القرارات لإيجاد الحلول لمواجهة المآزق والتحديات.

ففي مرحلة الأزمات، يكون للقيادات السياسية نوع من الحضور والمساهمة الإيجابية في بلورة رؤية إدارة هذه الأخيرة، غير أنه ما يلاحظ ببلادنا أنه كلما اشتدت الأزمة، كلما تراجعت الأحزاب السياسية إلى الوراء، لتختفي وراء ظهر إما الحكومة أو الجهاز الإداري، وينزل زعماؤها تحت الأرض بدعوى انتظار التعليمات، ثم ينأون عن أي نقاش خوفا من تحمل المسؤولية السياسية عن هذا الموقف أو ذاك، (وكم حاجة قضوها بتركها).

إن هذا السلوك لا يليق بقيادات سياسية كانت حتى الأمس القريب تتحرك في المجال السياسي بنوع من الهيمنة الإعلامية، في حين في مثل هذه اللحظات ومثل هذه الظروف، تحتاج الدولة إلى أحزاب سياسية حقيقية وإلى مساهمة قياداتها، التي من المفروض أن تتحرك من منطلق الشعور بالمسؤولية ومصداقية رجالات الدولة، لتخلق المبادرات للمساهمة إيجابيا في حلحلة الأزمة وبناء المستقبل، وهذا التصرف المسؤول لا يحتاج لا إلى الضوء الأخضر ولا الأصفر، أو إلى الخطابات الشعبوية المكررة للخطاب الإداري الركيك، بل يحتاج إلى القدرة على التفكير، والقوة في التعبير عن الرأي الإيجابي، والجرأة في النقد الذاتي لتكريس الديمقراطية وبناء السلم الاجتماعي وتأسيس السلوك المؤسساتي لضمان حسن أدوار الوساطة بين مؤسسات الدولة في أفق خدمة المواطن.

ففي الوقت الذي كنا ننتظر أن نسمع صوت الجميع، احتل سكون رهيب ساحة السياسة، كأن الزعماء وقيادات الأحزاب فضلوا النزول تحت الأرض، ثم اختفوا، مما جعلنا نستنتج أننا لا نحتاج في الحقيقة إلى أحزاب سياسية بقدر حاجتنا إلى خلق زعماء حقيقيين لهم امتدادات وطنية ومشروعية أخلاقية وقدرة على التفكير والإبداع لما فيه مصلحة الدولة والوطن، غير أن ما نعيشه اليوم سار عنوان فشل جيل بكامله في خلق شخصيات سياسية كارزماتية تساهم في بناء الدولة وتقويتها، من مواقع مختلفة بعيدا عن المآمرات والحسابات الضيقة والتحالفات الزبونية ومنطق الإقصاء.

إننا لا نحتاج في الواقع إلى ترديد خطابات الدعم والمساندة لأعمال الإدارة أو الحكومة، بل إلى الأفكار وإلى الذكاء الجماعي الذي يعيد بناء الحاضر من أجل المستقبل، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون عمادها بناء مؤسسات واستصدار قرارات تستهدف إصلاح الأخطاء، وملء الفراغ الذي بات أخطر شيء يهدد مسارنا السياسي والإداري، فإذا كانت الطبيعة تخشى الفراغ، فما بال السياسة؟

ومن موقع المسؤولية كان على الأحزاب السياسية أن تقدم تصورا شموليا عن أوضاعنا الوطنية وما نعيشه من مشاكل، وتقترح حلولا وخطوات، وهذا دورها الأساسي لبناء دولة الحق والقانون، أما والحالة هذه، فإننا أصبحنا نعيش أزمة ديمقراطية تكمن في ما تعيشه الأغلبية وما تعانيه المعارضة، فعن أي أحزاب وزعماء نتحدث؟

 

شارك المقال