لا أدري لِمَ تذكرت، بمجرد سماعي خبر نقل الناشط عماد العتابي في حالة حرجة إلى المستشفى العسكري بالرباط، بعد إصابته بجرح بالغ الخطورة في الرأس، وإصابة رجال أمن، والاعتداء على نشطاء، ورأيت الدموع تسيل من العيون، والدماء تبلل الوجوه، ومشاعر الأسى تتفشى، (تذكرت) تلك الخرجة الواثقة للناطق الرسمي باسم الحكومة، السيد مصطفى الخلفي يقول فيها إن: « الحكومة تتحمل مسؤوليتها السياسية الكاملة في منع مسيرة 20 يوليوز »…
تغيرت الحكاية. لا مجال اليوم، لصراع بين-حكومي. لا مجال لحكومة بجناحين. لا مجال للحديث عن انفصام الدولة، بين جهات نافذة « تعرقل » وشرعية انتخابية « تقاوم ». الحزب بالدولة والدولة بالحزب. الدولة جميلة كما هي. واضحة كما هي. رسمية وبسيطة. هادئة ومتناغمة. واحدة ووحيدة..
في عمود الأسبوع الماضي، قدمت اقتراحات لحزب المصباح فحواها الضغط على وزراء الحزب في الحكومة ليقلبوا الطاولة على القرارات البئيسة ويستعيدوا المبادرة، عوض شق أمانة الحزب إلى شطرين والدخول في تخريجات أنانية. بعد صدور بلاغ الأغلبية مصادقا على منع مسيرة 20 يوليوز، وخروج وزير حقوق الإنسان مصطفى الرميد « ينوّر » الرأي العام بقانونية المنع، ثم حسم الناطق الرسمي لوقوف الحكومة صفا واحدا، كأنها بنيان مرصوص، في مواجهة الشارع، عرفت أني رفعتُ السقف عاليا في اقتراحي، وكنت ساذجا ببساطة. حزب المصباح آل إلى اعتناق توصيات محمد جبرون في مقالته عن التحكم.
فهل رئيس الحكومة هو من يتخذ القرارات ويدافع عنها ويفسرها، أم يتخذها وزيره في الداخلية ثم يناديه من أجل الدفاع عنها في بلاغ رفقة كوكبة الأحزاب المكونة للأغلبية؟ ومتى نكون أمام حالة تبرّر هذا « السبق الوزاري »؟ وما الحاجة إلى الخروج ببلاغات تدافع عن قرار وزاري، يفترض نظريا أنه أصلا معبر عن قرار حكومي؟ ولماذا سيحتاج أي قرار إلى الشرعية الحزبية أو الغطاء السياسي؟ أليست الحكومة خارجة من رحم عملية سياسية؟ أم إن الداخلية تعلم جيدا أنها بعيدة عن هذه العملية؟ وإلا لم لا تخرج أحزاب الأغلبية إذن وبمناسبة كل قرار يتخذه أي وزير ببلاغ مرفق بالقرار، بل وما المانع إذن أن تتبعها في ذلك أماناتها العامة، ثم مجالسها الوطنية، ثم فروعها الإقليمية، ثم المحلية، ثم أعضاؤها فردا فردا. أم هو النظام السياسي « الأميسي » الذي كان منتعشا زمن إدريس البصري، يعود من جديد محولا الوزارات إلى بنات مراهقات تحت وصاية أمهم الداخلية..
الدولة تريد وضع حد للاحتقان بالغازات المسيلة للدموع والتطويق الأمني والسجن والتهم الثقيلة وتسريب الفيديوهات وتوقيف الصحافيين وتثبيت رادارات وأعين داخل فايسبوك وتويتر ويتيوب. قرأت تقارير وآراء مؤخرا ترى أنه من الوارد أن التأرجح الذي اتسم به تعامل الدولة مع حراك الريف بين اللين والعنف، قبل أن يستقر بشكل نهائي على المنع العنيف في مظاهرة 20 يوليوز، يعود لصراع وجهات نظر داخل أجهزة الدولة، من درك وقوات مسلحة وأمن ومخابرات داخلية ومخابرات خارجية ومستشارين بالقصر الملكي. كل تيار يريد أن يثبت جدارته في « إطفاء الحرائق ». كل جهاز يريد أن يثبت كفاءته أمام رئيس الدولة.
وهذا « التنافس » خلّف ارتباكا في تدبير ملف اجتماعي متفجر، بل وساهم في تأجيجه حين أظهر الدولة بمظهر غير جاد في حديثها عن « ضرورة الإنصات لمشاكل السكان ». أي إنصات هذا الذي تعقبه الغازات المسيلة للدموع والاعتقالات بالجملة؟ وأي إنصات هذا الذي يكون مشروطا بسقف بوح محدد وقواعد مرعية إزاء شباب خول لهم ابتعادهم عن الأحزاب والنقابات، الحفاظ على القول المتحرر من إسار الحسابات؟ وأي تنمية ومشاريع هذه التي تُنفذ بتعال وترفع مفرط وعلى مضض؟
تصوّر أن صغيرتك طلبت منك أن تشتري لها دمية وهي تبكي وتصرخ وتترنح، فلطمتها وشتمتها ولعنت مخترع الدمى وأزبدت وأرعدت وانتهرتها انتهارا، ثم حجزت الصغيرة في غرفتها كعقاب لها، ومنعت أمها من رؤيتها، وبعد ذلك جلبت الدمية وأنت تزمجر وتلعن وطوّحت بها في الدار.. هل تبقى للدمية من قيمة؟ وهل يبقى للأبوة من معنى؟ مُحـال..