أزمة الماء..."اليوم24" في قلب "مسيرة الحمير"

02 أغسطس 2017 - 20:42

في صيف السنة الماضية، هزت عمالة إقليم تاونات فضيحة من العيار الثقيل، تمثلت في إقدام سكان “الحياينة” على تنظيم مسيرة ضخمة “شارك” فيها عدد كبير من الحمير، وجابت الشارع الرئيسي لجماعة “عين عيشة” في اتجاه مقر عمالة الإقليم، احتجاجا على ندرة الماء الصالح للشرب، بعد نضوب الآبار، و”السقايات”، الموجودة في جنبات الطريق الرئيسية بين فاس، وتاونات.

المسيرة، التي أثارت الكثير من الاستهجان، هدد سكان دوار “بني كزين” بتنظيمها مرة ثانية، ولكن هذه المرة سينضم إليها إلى جانب الحمير، الأغنام، والأبقار، والدجاج، للفت انتباه المسؤولين إلى معاناتهم، ومن أجل المطالبة بحفر آبار جوفية، ترفع عنهم مشاق مسافات طويلة يقطعونها بحثا عن قطرة ماء.

وبلغت أزمة العطش ذروتها في قرى وزان، وبني ملال، وخنيفرة.. إذ استشعرت معها الحكومة خطر حركة “العطشانين”، وشرعت في تنزيل عدد من التدابير المستعجلة، بعدما استنفرت الاحتجاجات كاتبة الدولة لدى وزير النقل والتجهيز واللوجستيك والماء، المكلفة بالماء، شرفات أفيلال، التي عقدت لقاءات مكوكية هنا وهناك، وذلك لاحتواء هذه الأزمة في مواقع الاحتجاجات.

“اليوم24” يكشف المسكوت عنه في رحلة البحث عن الماء، وينقل معاناة سكان العشرات من القرى، والمداشر الجبلية في مناطق الريف، والحياينة، وجبالة.

هكذا بدأ الجدل.. مسيرة الحمير على الطريق الرئيسية !

اكتشاف حجم معاناة ضحايا العطش، فجره مواطنون من دواوير تابعة لجماعة “عين عيشة”، ضواحي تاونات، وبالتحديد قاطنو دوار “البازلة”، الذي يعاني سكانه مشكلا حقيقيا في التزود بالماء الصالح للشرب، حينما خرجوا في مسيرة حمير ضخمة، قادها سكان “الحياينة”، للمطالبة بتوفير الماء الصالح للشرب، بعد نضوب مياه واد ورغة، بسبب الاستغلال الفاحش لمياهه من طرف مزارعي الكيف، ما  دفع المواطنين إلى الاستعانة بالحمير، والدواب لقطع مسافات طويلة تتجاوز في غالب الأحيان 4 كلم، وذلك للوصول إلى “السقايات”، والآبار الموجودة في مناطق مجاورة.

مسيرة الحمير على الطريق الوطنية بين فاس، وتاونات، وتفاعل المسؤولين الإقليميين معها، دفع سكان “الحدادوة”، بمحاذاة واد تامدة، إلى إعلان مسيرة الحمير، والبقر، والدجاج، للمطالبة بربط قريتهم بالماء الصالح للشرب، وهو ما استجاب له المجلس الجماعي في ظرف زمني قياسي، خوفا من تطور أشكال الاحتجاجات.

ضحايا العطش..

الطريق إلى دواوير جماعة فناسة باب الحيط تكلف أزيد من 3 ساعات انطلاقا من مركز جماعة بني وليد، على بعد 25 كلم من مركز مدينة تاونات.

منعرجات جبلية وعرة، وحرارة صيف مفرطة تجعل الرحلة شاقة جدا، وتدفعك إلى استشعار معاناة العشرات من الدواوير، “أبدع” التاريخ في تنزيل أشكال تهميشه على سكانها؛ بنية تحتية مهترئة، ومرافق اجتماعية، وخدماتية منعدمة، وبين هذا وذاك إحساس كبير بـ”الحكرة”، جراء أزمة الماء، التي تعيشها الدواوير، على الرغم من أن الإقليم يحوي 5 سدود، أشهرها سد الوحدة ثاني أكبر سدود إفريقيا.

سكان دواوير الكورنة، والدشيار، وورشة.. يشاركون الأفاعي، والضفادع بحثا عن قطرة ماء تروي ضمأهم، وآخرون يصطفون على طول الطريق المتربة، التي تخترق منطقة “العزيب”، في انتظار الشاحنات الصهريجية، في مشهد وصفته فعاليات حقوقية ومدنية بـ”المهين”.

حال سكان جماعة فناسة باب الحيط، التي يمتد ترابها الجغرافي إلى الحدود مع إقليم تازة شرقا، ومداشر منطقة الريف شمالا، ليس أفضل من حال نظرائهم في مداشر جماعة طهر السوق، حيث تتحالف التضاريس مع أزمة الماء، وتخلق توليفة خاصة من المعاناة، تترجمها حركة الهجرة نحو مدن فاس، ومكناس، والدارالبيضاء، تماما كما هو الشأن بالنسبة إلى دوار “العزابة” في ضواجي جماعة واد القصبة.

في جماعة بني وليد، التي يرأس مجلسها الوزير السابق في حكومة بنكيران، التجمعي محمد عبو، تبدو محنة السكان الباحثين عن الماء، أقل بالنظر إلى وجود عدد من الدواوير على جنبات واد “ورغة”، وأيضا استفادتهم من مشاريع ربط مداشرهم بـ”السقايات”، في انتظار حلول جذرية تقطع مع سياسة “البريكولاج”، يؤكد مواطن من دوار عين عبدون.

مسيرة الحمير.. رحلة البحث عن “الذهب”

“اولادنا يركبون الدواب، والحمير للوصول إلى منابع الماء”، عبارة تختزل كل معاني الألم، نطق بها شيخ من دوار “الكورنة” في بني كزين، في تصريح لـ”الموقع”، وشخص من خلالها واقع العشرات من الدواوير الجبلية، التي يضطر أهلها إلى ركوب الدواب فجرا للظفر بـ”قطرة” ماء، بل منهم من يقضي ليلة كاملة بسبب الازدحام من جهة، وضعف صبيب النبع من جهة ثانية.

أطفال في عمر الزهور يركبون الدواب والحمير، ويقصدون المنابع المائية لملأ براميلهم، حيث يقطعون مسافات طويلة، ويسلكون منعرجات وعرة، تحت لفحات أشعة شمس حارقة، في غياب تام لمبادرة حقيقية تقرب الماء من المواطنين في قمم الجبال.

“اللهم إن هذا منكر.. واش الإنسان ميلقاش ما الوضوء”، عبارة مؤثرة حبل بها نداء أطلقه شباب قرية “الدهورة”، أكدوا في تصريح لـ “اليوم 24″، أن نساء الدوار “يتبهدلن” أمام الشاحنات الصهريجية، إذ يتناوبن لملأ براميل لا تكفي حتى للوضوء، فبالأحرى غسل الملابس، وتنظيف المنازل، وإشباع البهائم.

مشهد القوافل “الحميرية” يكشف نفسه ببئر “العزيب” بمحاذاة واد تامدة، كما في منبع “مولاي يحي” في جماعة فناسة باب الحيط، وأيضا في الآبار، الموجودة في سفوح، وجبال جماعة “تمضيت” على الحدود مع إقليم الحسيمة، بالإضافة إلى آبار منطقة “الحياينة” ودائرة القرية غفساي، حيث يتوافد المئات من المواطنين، المنحدرين من الدواوير الغارقة في العطش، وينصبون براميلهم بشكل يراعي منطق الأسبقية، وأحيانا حسب قاعدة القرب، والبعد من المكان.

الاستعانة بالحمير والدواب في نقل براميل المياه، دفع بعض الأسر إلى تكليف أحد أفرادها، وإلزامه بمهمة البحث عن الماء في السفوح، وعلى جنبات الوديان، خصوصا بالنسبة إلى سكان الدواوير المجاورة لواد “الكزار” على الحدود مع إقليم الحسيمة، حيث أزمة الماء بادية للعيان، بعد نضوب العيون وجفاف السواقي، والوديان، ما أصاب البشر والشجر، والحشر بالعطش.

مستشارون ينتفضون.. وصرخات في العالم الأزرق

مسيرات الحمير، والدواب بحثا عن الماء، قابلها تفاعل إيجابي من لدن مستشارين جماعيين بجماعتي “بني وليد”، و”فتاسة باب الحيط”، حيث أعلن “محمد.ب”، استعداده الكامل للانخراط في أي شكل احتجاجي يقرر السكان خوضه، لتمكينها من الماء الصالح للشرب.

وفي هذا الإطار، كشف المستشار نفسه، أن مصالح الإقليم وعدت بحفر آبار جوفية، وقد حل بالقرية، قبل أسابيع، مقاول مكلف بالمشروع، لكنه عاد أدراجه لأسباب وصفها بـ”المجهولة”، مؤكدا أن توفير الماء الصالح للشرب للمواطنين حق، وكل تماطل من طرف المسؤولين، سيدفع المستشارين إلى قيادة المسيرة الاحتجاجية.

” واش حنا ماشي مواطنين.. واش حنا لاجئين”، تدوينة فايسبوكية لمواطن تاوناتي، كشف من خلالها عن معاناة سكان جبالة في التزود بالماء الصالح للشرب، وغضب رواد الفضاء الأزرق على المسؤولين مرده أن الإقليم يضم 5 سدود كبيرة، ودواوير قريبة من السد مهددة بالموت عطشا، كما هول حال جماعة “كيسان” نواحي قرية با محمد، التي خرج سكانها للاحتجاج، وقادوا مسيرة ضخمة، اعتبرتها فعاليات مدنية وحقوقية أضخم مسيرة شهدها الإقليم.

انتفاضة “شعب” فايسبوك بدأت قبل انتخابات 7 أكتوبر، حينما أعلن عدد من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، وبشكل صريح، مقاطعتهم للانتخابات التشريعية، ورفعوا شعار “ها علاش ممصوتينش”، بعدما نشروا صورا تترجم محنة سكان قرى، ودواوير تاونات، الذين يقطعون مسافة طويلة للتزود بالماء الصالح للشرب، بينما يستغل آخرون ساعات الليل لملأ براميلهم، التي يعمدون إلى حملها فوق ظهور الدواب والحمير، حيث تساءل عدد من المواطنين عن جدوى الانتخابات، في وقت تنعدم فيه شروط العيش في القرى الجبلية.

حلول ترقيعية

منذ أسابيع قليلة، شرعت مصالح عمالة تاونات في عملية توزيع الماء الصالح للشرب، بواسطة صهاريج متنقلة، حيث عمدت إلى وضع حاويات بلاستيكية قرب عدد من الدواوير، في خطوة تروم “امتصاص” غضب المواطنين، يؤكد “م.ب” مستشار جماعي لـ”اليوم24″.

محنة السكان مع الصهاريج المتنقلة لا تقل عن محنتهم في البحث عن الماء، ذلك أن المواطن ملزم بانتظار وصول الشاحنة، وملأ عدد محدود من البراميل، فضلا عن تخصيص شاحنة واحدة تقوم بتوزيع الماء في أكثر من دوار.

“واش العيالات يتسناو الشاحنة 10 ديال الساعات؟ ومرة تجي ومرة ما تجيش !”، “بغينا الما يكون فالدوار”، بهذه العبارة لخص “حسن.ط” معاناة سكان “الدهورة” مع الشاحنات الصهريجية، ثم زاد بلغة غاضبة: “واش يتسناونا نموتو؟ مواشينا بيعت في الأسواق.. وحنا وجهتنا المدينة”.

وفي أفق ربط الدواوير بشبكة الماء الصالح للشرب، خصصت جماعة بني وليد، التي يرأسها محمد عبو، غلافا ماليا ناهز 60 مليون درهم، لإنجاز مشروع ربط دواوير الجماعة بــ”السقايات”، وذلك عبر إنشاء محطتين للتوزيع، تم تشييدهما فوق مرتفع جبلي يسمح بمد قنوات الماء إلى كل الدواوير، خصوصا البعيدة عن مركز الجماعة كدواوير اولاد غزال، والرياينة، والمحامدة، وتامدة.

أزمة الماء.. "اليوم24" في قلب مسيرة الحمير أزمة الماء.. "اليوم24" في قلب مسيرة الحمير

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.