الالتفاف على خطاب الملك

02 أغسطس 2017 - 10:33

تميز الخطاب الملكي الأخير بالوضوح والتوجه المباشر لمكامن الخلل، فشعر المجتمع بنوع من الإحساس بمسايرة مضامين الخطاب ومساندته، بل هناك من المواطنين من أحس بنوع من المسؤولية تجاه ما عبر عنه جلالة الملك، خاصة عندما يكون الفرد فاعلا سياسيا، حيث مباشرة بعد سماعه للخطاب الملكي يشرع في مساءلة نفسه، هل قصر في وظيفته؟ هل قام بمهامه؟ أم لم يستطع أن يقوم بمهامه وفقا لما كان منتظرا منه؟

فالفاعل السياسي بعد سماعه لهذا الخطاب، إما أن ينطوي على ذاته، أو يبدأ بضرب أخماس في أسداس، أو يقف مشدوها وهو ينظر في المرآة مسائلا نفسه، في أي موقع هو؟ هل ساهم في بناء الوطن أم أساء إليه من حيث يدري أو لا يدري؟

قد أجد لهؤلاء مبررا أو شفيعا، وحتى قد تشدني الرأفة بهم، غير أن هناك أنواعا أخرى من فئة السياسيين، وتحديدا من قادة الأحزاب السياسية، غريبة الأطوار، إذ سارعت بدون خجل إلى تثمين خطاب الملك وإلى تحليله وتفسيره وفق مصالحها، وكأن جلالة الملك كان يقصد بانتقاداته رؤساء أحزاب أخرى، توجد في دولة أخرى، أو كأن زعماءنا لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم.

لقد شعرت بنوع من الازدراء وأنا أقرأ تعليقات زعماء أحزابنا السياسية على مضمون الخطاب الملكي، فبدون أدنى شعور بالخزي يحاولون الالتفاف على مضمون الخطاب الملكي، وكأنهم غير مقصودين بمضامينه، خاصة أن الكل يعلم بأن أغلب زعماء أحزابنا باسم القصر هيمنوا على السياسة وعلى الأحزاب وعلى المواقع، وحينما أصبحت الدولة في أزمة تراجع هؤلاء القادة إلى الوراء، ونزلوا تحت الأرض، كما أشرنا في مقالنا الأخير يوم الثلاثاء الماضي.

أما الحكومة، فتلك قصة أخرى، حيث لاذ جميع وزرائها بالصمت الرهيب، ولا أحد منهم خرج من قوقعته، وكأن الجميع يتحسس رأسه، وينتظر ماذا سيحدث بعد الخطاب الملكي.

إن جميع الأنظمة السياسية في العالم، لا تخرج عن ثنائية وجود القرار السياسي وبجانبه الحكومة، فالقرار السياسي دلالة على الاستقرار، والاستمرارية، وعلى ضبط الأمور وحسم الخلافات وبلورة التوجهات الكبرى لحسن سير الدولة، بينما الحكومة هي موقع حل المشاكل ومكان المواجهات ومصدر الحسابات الدقيقة والتفاصيل المملة، أي هي مصدر اللاستقرار ومجال الزوبعة التي يحد من استمرار وجودها القرار السياسي، لهذا ففي تعاونهما “القرار السياسي والحكومة”، يحصل التوازن وتضمن الدولة استمرارها، وحينما يخرج القرار السياسي بخطاب حاد وجريء، فعلى الحكومة ومؤسساتها وإداراتها أن تدفع فاتورة مضمون ذلك الخطاب، هكذا هي الدولة.

لذلك، فلا يحق لأي أحد من قادة الأحزاب السياسية أن يلتف على الخطاب الملكي، ولا يحق للحكومة أن تتهرب من مسؤولياتها، بل عليها تحملها كاملة، وتعيد النظر في مكوناتها سواء البشرية أو المؤسساتية، وتعزز ما يجب إصلاحه، وتساعد النظام في بلورة ذلك الاستقرار، وذلك الضبط الذي تحتاجه الدولة بين الحين والآخر، ربما ذلك هو التفعيل الصحيح الذي قد يعطينا الأمل للخروج من أزمة طالت الجميع، وزاد من تفاقمها واستفحالها عجز الفاعل السياسي وارتباك الحكومة المفبركة أصلا.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.