هيبة الدولة

14/08/2017 - 13:24

لا يمكن اختزال هيبة الدولة في كيفية تعاملها مع الحراك بالريف والاحتجاجات الاجتماعية، لكن سمعة الدولة على المحك في كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. هناك أمور قد تبدو للبعض بسيطة، لأنها للأسف صارت تؤثث ليوميات المواطن المغربي، لكنها في العمق ضرب صارخ لهيبة الدولة. كيف ذلك؟

من حق المواطن، عندما يغادر بيته، أن يتساءل أين هي هيبة الدولة وهو يُواجَه بعنف لفظي غير مسبوق، إذ يتعمد بعض الحثالة إطلاق كلمات نابية بصوت مرتفع على مسامع المارة وبينهم الرجل وابنته والمرأة وابنها وهلم جرا.

صار من الصعب على الفتاة أن تسير في الشارع العام بكل حرية دون أن تتعرض لكل أشكال المضايقات التي لم تعد تقتصر على كلام جارح، بل تتحول أحيانا إلى اعتداء جسدي في واضحة النهار دون أن تجد من يساندها وكأننا في مسرح مفتوح للعموم!

متشردون ومتسولون في كل مكان يضايقون المارة وإذا لم يستجيبوا، أمطروهم بوابل من الشتائم والسِّباب، وتعززت صفوفهم بآلاف المهاجرين من جنوب الصحراء يتحركون بجماعات مكونة من عشرة أفراد وأكثر وهذا ما يثير الفزع، خاصة وأنهم يلحون في طلبهم حد التحرش.

ظاهرة « الفراشة » جعلت مدننا تشبه « كلكوتا » الهندية، إذ صارت الفوضى هي العنوان الأبرز بعدما غزت البضائع العشوائية الأرصفة وتعدته لاحتلال الشوارع ومنع حركة المرور، ليس من أزقة فقط، بل من شوارع كبيرة، ومدينة الدارالبيضاء العملاقة أفضل نموذج لهذه الفوضى المتوحشة.

الدراجات الثلاثية أعادت المغرب أربعين سنة إلى الخلف وأحدثت فوضى تستهتر بأرواح المواطنين، وهي اليوم قنبلة موقوتة يبلغ عددها المليون وحدة لا تخضع لأي مراقبة ولا لأي جزر.

ولأننا صرنا نعيش في فوضى عامة، صار الكل يحاول أن يضع حدودا « لنفوذه » خارج كل إطار قانوني، حتى إن حراس السيارات صاروا يخرقون القانون ويتجاوزون قوائم الأسعار التي تضعها مؤسسات الدولة والجماعات، لحماية المواطن من جشعهم، دون أن يجدوا من يُسائِلهم، ولعل زوار شواطئ الدارالبيضاء ودار بوعزة لشهود على قانون الغاب الذي تحتكم إليه « مافيات » ركن السيارات، والتي تفرض « إتاوات » تصل إلى 20 درهما للسيارة الواحدة تحت تهديد تكسيرها في حالة الرفض أمام أنظار عناصر الشرطة والدرك والجماعة « المغلوب على أمرها »!

أما السرقات « بالنشل » في واضحة النهار، فصارت وجبة يومية يستهلكها مواطنو المدن الكبرى، إذ صار من الصعب أو من المستحيل على المواطن أن يرد على هاتفه المحمول في الشارع العام أو على الفتاة أن تحمل حقيبة يدوية أنيقة. أما الشابات والسيدات اللواتي يقدن السيارات، فيتعرضن لكل أنواع التحرش وحتى السب من طرف « زملائهم » الرجال، في الإشارات المرورية لأتفه الأسباب، فيما يفرغ بعض الشباب الضائع أحقاده الاجتماعية تجاه كل عنصر نسائي وراء مقود!

ليست هذه ظواهر اجتماعية بسيطة نذكرها وننصرف لأشياء أكثر « جدية »، بل إنها أمور مهمة. فعندما يعجز المواطن (ة) عن التجول بحرية، عندما تُهدر كرامته بالشارع العام، عندما يُسلب حقه في شوارع نظيفة يؤدي عنها ضرائب، عندما تصبح المرأة عرضة للتحرش والاعتداء دون جزر، عندما تستقيل الجماعات والسلطات المحلية في ضبط القانون العام وترك الشوارع للأكثر صراخا والأكثر عنفا، فلنقرأ السلام على هيبة الدولة.

فلا تجعلوا هيبة الدولة مقرونة باحتجاجات سلمية هنا وهناك، فهيبة الدولة تُداس عشرات المرات يوميا وفي كل المدن المغربية… فيما لا يبالي « خدام الدولة » بذلك، وكأن كل الفوضى التي نعيشها هي عقاب جماعي.

شارك المقال