برلمان.. وبرلمان

15/08/2017 - 15:17

يبدو أن اختتام الدورة الربيعية للبرلمان، يوم الثلاثاء الماضي، جاء مختلفا عن سابقيه، وذلك راجع للأسئلة الكثيرة التي عادت من جديد إلى الواجهة، حول حصيلة أداء المؤسسة التشريعية، وحول طبيعة أدوار البرلمانيين في بناء مؤسسة تشريعية حقيقية تلعب دورها كاملا.

وارتباطا بالنقاش الذي تعيشه الساحة السياسية مباشرة بعد الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 18 لعيد العرش، نجد أن وضعية البرلمان نفسه لا تخرج من مجال النقد الصريح والجريء الذي حمله مضمون خطاب جلالة الملك الأخير، حيث وضعية البرلمان تعرف الكثير من الاختلالات بين برلمانيي المعارضة الذين يفتقدون إلى الاشتغال على القضايا الكبرى باستقلالية وجرأة تجعلهم يقومون بوظيفتهم بشكل أفضل، وبين برلمانيي الأغلبية التائهين بين الانقياد المطلق للحكومة، وبين رغبتهم في أن يكون لهم دور برلماني مستقل للمساهمة في إدارة الشأن العام.

لقد أصبحت وضعية البرلمان الحالية، وخاصة وظيفة برلمانيي الأغلبية في علاقتهم بالحكومة، تطرح عدة أسئلة حول مفهوم استقلالية السلط، إذ إن الفهم الصحيح لهذا المبدأ لا يعني الاستقلالية الوظيفية عن الحكومة فقط، ولكن، كذلك، الاستقلالية السياسية التي تعطي لبرلمانيي الأغلبية نوعا من المساحة الأخلاقية والسياسية للمساهمة الإيجابية والمراقبة الجدية والتقييم الأفضل للعمل الحكومي وللمؤسسات العمومية، وليس هيمنة الحكومة على الأغلبية البرلمانية وتعاملها بكثير من العدوانية المجانية تجاه المعارضة البرلمانية.

إن البرلماني سواء المنتمي إلى الأغلبية أو إلى المعارضة، لا يمكنه أن يقوم بدوره كاملا إلا إذا كان يتصف بنوع من الشرعية الأخلاقية والسياسية المستندة على إعمال الضمير، الذي يعلو حتى على الالتزام الحزبي نفسه.

وكل ذلك يفرض علينا ضرورة إعادة النظر في هندسة المكونات البرلمانية من خلال النقاط التالية:

أولا، إلغاء لائحة الشباب التي تعتبر ريعا سياسيا، إذ بدل أن تشجع على إدماج الشباب في العمل السياسي والحزبي، تحولت إلى أحد أكبر مفسدات العمل السياسي، فأغلبية شباب اللائحة تم اختيارهم بطرق بعيدة عن الأهداف التي رسمت لهذه العملية، بل أصبحت كعكة وريعا يوزع في غرف مظلمة ووفقا لزبونية تضرب في العمق العمل السياسي والبرلماني النبيل، حتى تحولت هذه المحسوبية إلى عامل رئيس في ابتعاد الشباب أكثر عن العملية السياسية، وحطمت طموح الشباب في الوصول إلى مراكز القرار الحزبي من خلال النضال الذاتي والعمل السياسي الدؤوب.

ثانيا، تقليص لائحة النساء إلى النصف (أي ثلاثون مقعدا، والنصف الآخر نقترحه في النقطة الثالثة الموالية)، مع إعادة النظر في طريقة تدبير اللائحة النسائية التي بدورها تطرح إشكالية كبرى، خاصة حول طبيعة الاختيارات والوسائل المتحكمة في توزيع اللائحة، فهذه الأخيرة تحتاج إلى تقييم دقيق لمعرفة مدى تأثير هذا الاختيار البرلماني على مساهمة وإدماج المرأة في العملية السياسية، خاصة وأننا عشنا هذه التجربة لولايات تشريعية عدة كافية للتأكد من مدى إفراز هذه اللائحة لقيادية نسائية سياسية حقيقية، أم إنها فشلت في ذلك.

ثالثا، خلق لائحة وطنية تتسم بالمناصفة بين الذكور والإناث، وتضم فقط الأطر، ويشترط فيها أن تكون من أسماء حاصلة على شواهد عليا ومارست وظائف عامة أو خاصة لأكثر من 10 سنوات، وتتوفر على الكفاءة والنزاهة واحترامها للقانون ولالتزاماتها الوطنية.

رابعا، فرض شروط جديدة على المترشحين للبرلمان مثل احترامهم لالتزاماتهم الضريبية، وتوفرهم على مستوى تعليمي متقدم نسبيا كحد أدنى، وذلك كله من أجل خلق مستوى فكري لا بأس به يسمح بخلق نقاش وتشريع جيد داخل البرلمان، لأن البرلمان لا يحتاج فقط، إلى تجارب الحياة، ولكن، كذلك، إلى مستوى ثقافي معين للرفع من مستوى التشريع وتحسين سبل الرقابة وممارسة التقييم بشكل أفضل، وهذا ما سيُعطينا حكومة قوية ومنسجمة وذات إمكانيات فكرية عالية لإدارة الشأن العام، فالتحديات التي تواجه بلادنا لا يمكن مواجهتها إلا بمستوى ثقافي عال، وقدرة كبيرة على التحليل، وإيجاد حلول للقضايا الكبرى، والانفتاح الإيجابي على التجارب الإنسانية في العالم.

إن اختلالات البرلمان باتت واضحة أكثر من أي وقت مضى، وأضحت تطرح راهنية التفكير في ضرورة  تطوير عمل البرلماني كمدخل لخلق مؤسسة تشريعية قوية، لذلك يجب أن يتحول هذا الهدف إلى ورش جديد لتطوير عملنا البرلماني والارتقاء بهذه المؤسسة التي تعد، من الناحية الدستورية، قلب العملية الديمقراطية، مما يتعين معه نبذ الريع والإخلالات الأخلاقية، وضرورة احترام الالتزامات الوطنية، لكون ذلك هو مصدر الشرعية الحقيقية للبرلمان.

 

شارك المقال