منعطف رابعة..

16/08/2017 - 14:27

خلدت ضمائر حية عدة في العالم، أول أمس الاثنين، ذكرى مجزرة رابعة التي ارتكبها النظام العسكري الانقلابي بمصر في 14 غشت 2013 في حق المعتصمين بميدان رابعة العدوية رفضا للانقلاب، ودعما لاستمرار محمد مرسي أول رئيس مصري يعبر عن الإرادة العامة. خلدت الضمائر الحية هذه المأساة وتذكرت قتلاها وضحاياها وأوقدت شموع أرواحها التي صعدت إلى السماء برصاص غادر. مجزرة وصفتها المنظمة الحقوقية « هيومن رايتس ووتش » حينها بـ »أبشع مجزرة في تاريخ مصر الحديثة ». وهي المجزرة البشعة التي خلفت واقعا جديدا في مصر والمنطقة. أنظمة كثيرة بدأت ترى نفسها متسامحة جدا مع الأحزاب الإسلامية والحركات الاحتجاجية قياسا لمشاهد الجثث المتفحمة في ميدان رابعة. دراسات كثيرة خرجت تقول إن الضحية هو المسؤول عن أفعال الجاني! مادام الربح مع الجاني. يمكنك قارئي العزيز أن تعود لأوراق « يسارية – حداثية علمية جدا » فسرت كيف أن سبب ما وقع هو « الأخطاء » التي ارتكبها الإخوان، وبدرجة أقل عنف العسكر. وقد كثر الإقبال على هذا النوع من السرد « الأكاديمي » في عز تلك الأيام السوداء التي كان فيها بشر مثل كافة خلق الله يتعرضون للإبادة.  أقول الإبادة لأن قوات الجيش حين أرادت فض الاعتصام بالرصاص والنيران، قامت قبل ذلك بسد كافة المنافذ التي يمكن أن يهرب منها المعتصمون. أي إنها تدخلت بنية ردم أسباب الحياة، ولذا كانت حصيلة القتلى مهولة.

وعلى ما في المشهد من قتامة وظلام، كانت طبقة من المفكرين والكتاب ورجال الإعلام، داخل وخارج مصر، تقيم الحفلات وتكتب قصائد المديح والثناء في العسكر الذي أنقذ مصر من « الإرهاب ». لتذهب الديمقراطية إلى الجحيم إن كانت ستأتي بالإسلاميين. من هنا ستتفرّع سرود أكاديمية جديدة تتحدث عن الناخب العربي القاصر والمتخلف (لأنه يصوّت على حركات رجعية !) وتبرّر بالتالي الحاجة إلى استمرار أنظمة مستبدة في تولّي شؤون دول العربية حتى إشعار لاحق. كانت جل وسائل الإعلام المصرية قد دخلت بدورها في حملة شيطنة غير مسبوقة ضد الإخوان المسلمين ومن دار في فلكهم. انحدار إعلامي فظيع يتعبّد للجنرال ويكفّر البقية. أما دعاة التحديث واعتناق الليبرالية والحرية السياسية والديمقراطية، فقد أعماهم الحقد والغل وجعلهم يوظفون علاقاتهم في الخارج لمسح أيدي الجنرالات من الدماء. أتذكر مقالات في « نيويروك تايمز » و »واشنطن بوست » ومجلات غربية لوجوه مصرية اجتهدت في تلميع أحذية العسكر.

أتذكر، أيضا، أني سألت قبل أشهر مناضلا بحزب العدالة والتنمية عن رأيه في الانقلاب الداخلي على شروط بنكيران لتشكيل الحكومة وإذا لم يكن يرى أن الخيار الأصح كان الاتجاه للمعارضة؟ أجابني بأن وجود الحزب في المعارضة سيكلفه الكثير وكل شيء ممكن في المغرب.. ممكن جدا أن يتعرض الحزب ومناضلوه لأشكال من التنكيل والعنف الرمزي وربما المادي. قلت له ألا تبالغ؟ هناك حساسيات يسارية ديمقراطية في البلاد يستحيل أن تصمت على مثل هذه الأفعال. رد عليّ: « الحزب يا عزيزي تابع جيدا موقف « الحساسيات » التي تتحدث عنها من أحداث رابعة وإسقاط الإخوان واتعظ منها.. وهي على بعد آلاف الكيلومترات من مصر لم يبق لأصوات يسارية وليبرالية هنا إلا أن تشيد بالمجزرة، وتلك التي أدانت ما وقع، أدانته بعبارات محتشمة، وغمست إدانتها الصغيرة في بحر من الحديث عن أخطاء الإخوان.. وكأنها تقول إنهم يستحقون. الحزب صُدم صدمة كبيرة من الطريقة التي تفاعلت بها وجوه بارزة في المغرب من تلك المجزرة ».

ربما في حديث المناضل الشاب بعض المبالغة أو كان متأثرا حينها بتأويلات معينة كانت تروج داخل الحزب محاولة التنبؤ بما قد يلي إزاحة بنكيران في حال اتجه الحزب نحو المعارضة، لكن الأكيد أن أحد الآثار الجانبية لجريمة رابعة التي قليلا ما يتم تأمله أو الوقوف عنده، هو نسف ثقة كانت أصلا هشة لجزء معتبر من الإسلاميين في جزء معتبر من اليساريين. منعطف رابعة كشف مواقف كان يستحيل تخيّلها من قبل.

شارك المقال