الصيف زمن ملائم لتلك القراءات التي تم تأجيلها طويلا، تلك الكتب التي نُطمئن أنفسنا بالقول إننا لا يمكن أن نموت قبل قراءتها. وبالتالي، طالما لم نقرأها، فإن الموت لن يدركنا. وهي مغالطة منتشرة كثيرا بين العديد من الرجال ضحايا الكثير من الأوهام (والرجال أكثر من النساء اللواتي يكن عموما أكثر وعيا بحقائق الحياة والموت).
من خلال التفكير في هذه الأوهام التي نجد مجتمعنا مولعا بها جدا (هل يمكننا أن نجد وصفا آخر غير الوهم المثير للشفقة مثلا لوصف الجنون، الذي ألم بفرنسا الأسبوع الماضي بخصوص شراء لاعب لكرة القدم من طرف فريق باريسي؟)، وجدتني منجذبا، هذه الأيام، إلى إعادة قراءة كتاب أثر فيّ كثيرا عند صدوره: « the only revolution » (الثورة الوحيدة)، والذي ترجم إلى الفرنسية سنة 1971 تحت عنوان: « la revolution en silence » (الثورة الصامتة). وهو من تأليف كاتب هندي صار اليوم، يحظى بتقدير عالمي: جيدو كريشنامورتي.
عثرت فيه، في خضم آلاف الأفكار العميقة والاستشهادات الشعرية، على مديح لحرية راديكالية متحررة من كل تأثير. « ما نفع الشيخ؟ هل يعرف أكثر مما تعرفون؟ يتعين عليكم المشي اعتمادا على أنفسكم، عليكم القيام بالرحلة بأنفسكم، يجب أن تكونوا الشيخ والمريد في الآن ذاته ». ويشدد الكاتب على أن الحرية لا تتحقق إلا بالوعي بكل ما يحول دون أن نكون أحرارا.
وجدت فيه، كذلك، تفكيرا عميقا حول الطبيعة الحقة للتأمل، الذي لا يجب أن يكون وضعا محددا في الزمن، بل يتعين أن يصير تحررا دائما من كل الاغترابات، حتى يتسنى لنا النظر دوما إلى العالم بكل رصانة، وكل رزانة، مع أخذ المسافة الكافية منه.
من مصلحتنا جميعا قراءة هذا الكتاب، وتعليم الأطفال، في المدارس، أخذ المسافة من تلك الرغبات التافهة لهذا العالم. وبالمرة تعليمهم التقنيات الثورية للتأمل.
في مؤلف آخر من مؤلفاته، « التحرر من المعروف »، يلخص وصفة هذا التحرر بقوله: « أن يعرف المرء نفسه، ويتغلب على الخوف، ويكتشف شيئا فشيئا الصمت والإحساس بالإشباع ».
ولكنني مازلت، اليوم كما الأمس، أختلف مع خطابه حول العلم، الذي يرى فيه مجرد شكل من أشكال الاغتراب، مثله مثل أي دين أو أي شكل آخر من التفكير المحدد سلفا.
بالنسبة إليّ الإنسان لا يساوي شيئا إذا لم يتطلع إلى فهم الكون. والعلم ليس وهما، ولا تمويها، ولا اغترابا، بل هو الوعي بالجمال الذي يكتنف العالم، وبقوة العقل البشري. إنه من أرقى النشاطات الإنسانية إلى جانب الفنون والإحساس بالآخرين. ويخول للمرء بلوغ ذلك الشعور بالإشباع أكثر من الصمت والهدوء.
في ثنايا هذا الحوار بين الرصانة والمعرفة يوجد شكل الأخلاق الأكثر تطلبا.. ذلك الشكل الذي من شأنه أن يجعل الأجيال الشابة تتحمل مسؤوليتها، وتتوقف عن النظر إلى العالم بعيون الكبار، سواء أكان هذا من أجل التعبير عن تأييدهم أو معارضتهم.
على المرء أن يتعلم أن يرى حتى يفهم ويحب. هذا هو لب ما تعلمته من « كريشنامورتي »، وهو يدلني على كيفية التفكير حتى ضده لكي أبلغ أعماق الحرية…
ترجمة: مبارك مرابط عن « ليكسبريس »