تبعا لزاوية النظر -إي بصرامة أو بتعاطف- قد يبدو لنا الوضع السياسي في أمريكا على وشك الانتقال إلى الديكتاتورية التي تبعث على أقصى درجات القلق أو، على العكس من ذلك، إلى لحظة انبثاق جديد للديمقراطية.
مما يدعم الأطروحة الأولى، هناك بطبيعة الحال جنون رئيس يحكم بالتغريدات والجمل القصيرة المرتجلة.. رئيس يملك صلاحية إعلان حرب عالمية دون تجشم عناء الرجوع إلى أي أحد، حتى الكونغرس الموالي له. وبغض النظر عنه، هناك مؤشرات أخرى مقلقة: فاستطلاع الرأي الذي ظهرت نتائجه الأسبوع (الماضي) على صفحات «واشنطن بوست»، يكشف أن أكثر من نصف الناخبين الجمهوريين يعتقدون أن دونالد ترامب حصل على أغلبية أصوات الناخبين (والحال أنه لم يحصل سوى على أغلبية أصوات الناخبين الكبار)، والأكثر إثارة للدهشة أن هؤلاء الناخبين قالوا إنهم لن يشعروا بأي صدمة إن قرر هذا الرئيس تأجيل الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في 2020. بعبارة أخرى، سيؤيدون تمديدا لا محدودا لسلطة دونالد ترامب. وهناك مؤشرات أخرى توحي بأن الولايات المتحدة تتحول تدريجيا إلى ديكتاتورية أو إلى «بلوتوقراطية» (ploutocratie أي نظام تسيطر عليه طبقة الأثرياء)، يمتنع فيها الناخبون الأكثر فقرا عن التصويت، أو يصوتون لصالح إصلاحات تصب في مصلحة الأكثر ثراء.
ومن يعتقدون أن الدستور الأمريكي يحميهم، فإنني أحيلهم على الوثيقة المستنسخة من القانون الأسمى للولايات المتحدة سنة 1847، أي دستور «ليبريا»، هذا البلد الذي أسسته «جمعية الاستعمار الأمريكي» بهدف تمكين العبيد القدامى من العودة إلى إفريقيا، ظل ديمقراطيا (لم يكن يسمح لمدة طويلة للسكان المحليين بالتصويت مثل الولايات المتحدة) إلى غاية 1951، لما قرر الرئيس «توبمان»، الذي انتخب لأول مرة عام 1944، إعادة النظر في تحديد المدة الرئاسية في ولايتين، وسيظل بناء على ذلك في الحكم إلى أن توفي سنة 1971، وسيخلفه عدة دكتاتوريين على رأس البلاد إلى عهد قريب جدا. وهذا دليل، إن كان الأمر يحتاج إلى برهان، على أن القانون الدستوري ليس ضمانة ضد الديكتاتورية.
في الاتجاه المعاكس، تنبثق في الولايات المتحدة أشكال جديدة من العمل تبعث على الأمل. أولا تستفيد الصحافة أكثر من جنون إدارة ترامب لانتقاده، وبالتالي، توسيع قاعدة القراء أكثر فأكثر، والحصول تبعا لذلك على مزيد من عائدات الإعلانات: أي أن ترامب يغذي حاليا خصومه!
ثانيا، هناك العديد من الحركات المواطنة المتنوعة، الملموسة والافتراضية، التي تفلح في إسماع أصواتها، والتصدي لعدد من الإصلاحات، فقد كان لها دور في التعبئة غير المسبوقة بالبلاد ضد إبطال قانون الرعاية الصحية «أوباما كير» الذي يخول الأكثر فقرا الاستفادة من العلاجات والخدمات الطبية.
ثالثا، وأخيرا، هناك المسار القضائي الذي يمكن أن يضع حدا لرئاسة ترامب، والذي يسير قدما دون أي تدخلات سياسية ذات وزن إلى حد الآن.
لا شك أن تطورات الوضع في بحر الصين ستحسم الاتجاه الذي ستأخذه الديمقراطية في أمريكا. إذا نجح في تعبئة الرأي العام ضد الانتهاكات الكورية.. في استثارة هجوم من ديكتاتور، أكثر جنونا منه بلا شك، والانخراط في حرب لا يمكن البتة توقع عواقبها، فيمكنه آنذاك تحويل اهتمام وسائل الإعلام، والحصول على كل الصلاحيات وبشعبية معتبرة.
إذا لم يفلح في هذا الأمر، فسيكون عليه، لا محالة، التخلي عن الحكم، تحت ضغط القضاة ووسائل الإعلام، وسيتوقف الكابوس الذي انطلق معه.
سيكون علينا آنذاك الاستفادة من الدرس، حتى لا يتكرر الأمر في المستقبل.
ترجمة
مبارك مرابط
عن «ليكسبريس»