اغتصاب فتاة داخل أوتوبيس أمام كاميرات هواتف لمتلصصين لم يروا في المشهد غير مادة قابلة للفرجة، ليس سوى دليل آخر على خراب هذه الأمة، وانحطاطها الأخلاقي المفجع، وإفلاسها القيمي الحاد.
دلائل الخراب لا تعد ولا تحصى، ومن فرط انحطاطها صرنا نستطيع التطبيع مع أشدها بؤسا.
الغش أصبح جزءا من المدرسة. الرشوة باتت بنية في الإدارة. اللصوص تحولوا إلى أناس محترمين وفق السلم الجديد للقيم.
هل يجب أن نقول اليوم، بعيدا عن الشعارات التي تدعو إلى القيء، إن المجتمع العميق أصبح لا ينتج سوى الجريمة والكراهية والتطرف والإرهاب، وإن قواعد العيش المشترك باتت محفوفة بالتآكل اليومي، وإن «المغربي المتوسط» خريج أجيال الضباع وما بعدها، أصبح قريبا إلى حالة «مسخ» تربوي، بلا حس مدني ولا شعور بالمواطنة، كائن موزع بين الخوف والكراهية والهشاشة وغياب السلوك المدني وهجانة المرجعية القيمية.
في الأسباب المعقدة للإفلاس القيمي، عوامل مركبة: مؤسسات للتأطير الاجتماعي عاجزة عن مرافقة تحولات عميقة للمجتمع، تحولات تدفع نحو تمدين دون مدنية، نمط عائلي آفل بلا بديل، تدهور للطبقة الوسطى المنتج الرئيس للقيم، انخراط أعمى في مجتمع استهلاكي فج، سيادة القبح والرداءة في المجال العام، بروز التطرف كشكل وحيد لمقاومة حالة خوف معمم من المستقبل والانفتاح.
لكن الدولة ليست بعيدة عن هذا التشخيص، ذلك أن جزءا من وظيفتها هو كذلك بلغة علم السياسة: «التوزيع السلطوي للقيم». في كتابه «مأزق الإسلام السياسي»، يحكي حسن أوريد واقعة تقول كل شيء: «الملك الحسن الثاني يطلب تقريرا حول الكتاتيب القرآنية. التقرير يخلص إلى أن تعميم هذا النمط ستكون له عواقب سلبية على الحس النقدي للمتعلمين، وعلى التقدم الثقافي للمجتمع». ماذا سيقع بعد ذلك؟ الحسن الثاني سيوصي -تحت ذهول واضعي التقرير- باعتماد هذه الكتاتيب داخل جزء من المنظومة التربوية، فعل ذلك بالتأكيد وهو يفكر -بسياسوية- في النفوذ الثقافي لليسار داخل النخب المتعلمة !
الدولة التي لأسباب عديدة، أهمها مسألة تشكيلتها الطبقية والاجتماعية، لا تملك مشروعا مجتمعيا واضحا ومنسجما، ظلت تمارس وظيفة الضبط القيمي، ترفع بسطحية شعارات الأصالة لمواجهة اليسار، تم تعود لترفع شعارات الحداثة في مواجهة الإسلاميين. تغلق معهد السوسيولوجيا، وتفتح شعب الدراسات الإسلامية، وتسلم البلاد لوزير للأوقاف مكلف بنشر الوهابية، تم تعود في زمن ثان للحديث عن المشروع الحداثي.
هجانة ثنائية «الأصالة والمعاصرة»، التي صنعها ليوطي وهو يهندس بنية ومرجعيات الدولة الحديثة، مسألة كان قد أطال النظر فيها الراحل محمد عابد الجابري، أما الشهيد عمر بنجلون فكان بحسه اللاذع قد لخصها في كلمته الشهيرة: «التخربيقولوجيا»!
لذلك، عندما ستظهر معالم تصاعد الأصولية، سيرفع العهد الجديد فكرة المشروع الحداثي الديمقراطي. مشروع بلا مدرسة لقيم الأنوار، وبإعلام عمومي ينشر الضحالة ويعمم الرداءة والمسلسلات المدبلجة.
السادة الجدد للوقت سيبيعون وهما كاذبا للدولة: الحداثة لا تعني سوى مهرجان مثل «موازين»، وبناء نماذج للنجاح الفني والثقافي حول رموز جديدة من نجوم المرحلة!
وحول هذه الأكذوبة، سينتج بناء كامل من الخطابات الإعلامية والثقافية والفنية، التي ستنخرط السلطة في دعمها وتعميم «قيمها» داخل المجتمع.
في الواقع كانت «الحداثة» تعني، في هذا السياق، كلمة واحدة هي «السوق»، والسوق فقط، وداخل فيلات كاليفورنيا والرياض، حيث رتبت معالم المعركة الثقافية المقدسة، لم يكن الهاجس بعيدا عن النفوذ الطبقي والاقتصادي لتجار المرحلة.
بين تصور الحداثة كسوق، وبين تصورها كجاهلية في أوساط شعبية مقهورة تبحث عن مقاومة قيمية لنظام سلبها كل شيء، تحول جزء من اليسار إلى مجرد كلب حراسة لإيديولوجيا حداثة السوق !
كان اليسار قد فقد تفوقه الأخلاقي، ولم يعد منتجا في الواقع لقيم النزاهة والصدق والتضامن. بلطجية التنظيم كانوا قد باعوا رأسماله المشرق بفتات ريع بئيس، أو، في أحسن الحالات، كان قد أصبح مجرد رد فعل هوياتي وإيديولوجي متضخم، ضد كل تعبير مجتمعي «محافظ».
لذلك، تركت الأحياء الشعبية، الغارقة في الحاجة، لتناوب منظم ومراقب بين سلطة المجرمين وتجار المخدرات، وبين سلطة متطرفين دينيين يفرضون نمطا آخر للمعيش اليومي.
ما يقع، في النهاية، هو مجرد اندحار مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية، نحو هاوية سحيقة: ليست سوى فقدان مقومات العيش المشترك.
بين النظر إلى الحداثة كمجرد غطاء للسوق وللجشع الرأسمالي الذي يحول الجميع إلى مستهلكين بلا قيم، وبين النظر إليها كمجرد جحيم مهدد للهوية، ثمة حاجة إلى تفكير مغاير في مسألة القيم والأخلاق.. تفكير يمر حتما عبر موضوع «المدرسة»، وهو موضوع سلمناه، باطمئنان غريب، إلى التقنوقراط، الذين لا يدينون بالولاء إلا لإيديولوجيا السوق!