يهتز الرأي العام الوطني أسبوعيا على وقع جرائم متعددة، يتسم أغلبها بالبشاعة والفظاعة، مما جعل العديد من المواطنين والمتتبعين يطرحون الكثير من الأسئلة، حول أسباب وخلفيات استفحال الجريمة ببلادنا وحول الحلول الممكنة لوقف هذا النزيف المجتمعي والأخلاقي.
وإذا كان البعض يرد استفحال الجريمة إلى فساد المجتمع واضمحلال الأخلاق، فإن البعض الآخر يرى أن الجرائم كانت موجودة من قبل، وأن ما أصبح يصل من جرائم بالصوت والصورة، فمرده إلى تطور وسائل الاتصال فقط، بحيث إن الإعلام والإنترنيت لعبا دورا في فضح هذه الجرائم التي لم تكن تعلن في السابق. بينما اليوم، وبواسطة سهولة التواصل أصبح العلم بها متاحا، وباتت تصل أخبارها إلى الرأي العام بسهولة، إنها لعنة من لعنات الهاتف المحمول.
والواقع أن كلا الرأيين لهما نسبة من الحقيقة، غير أنه يلاحظ في زمننا هذا أن الجريمة والإعلان عنها أصبحت تجارة تُجنى منها أرباح طائلة، أو كما قال أحد الصحافيين: «أخبار الجرائم تبيع الورق»، فكلما تفتح جريدة ورقية أو جريدة إلكترونية، إلا وقرأت مقالات أو قصص جرائم مختلفة، بل هناك تسابق ممزوج بنوع من التضخيم واختيار العناوين المستفزة، لنشر أخبار الجرائم، من أجل الإثارة لجلب المستهلك.
وأما المحطات الإذاعية فلها بدورها برامج إخبارية تحدثك عن الجريمة الواقعية أو حتى من محض الخيال، وفي التلفزيون العمومي، فهناك برنامج عن الجرئـم، وأفلام وطنية لا تنبني قصصها إلا عن الجريمة، فأصبح الرأي العام يتقبل حضور هذه الجرائم في حياته اليومية بشكل عادي، بل تحولت إلى جزء من استهلاكه اليومي الإعلامي.
إن أخطر ما يعاني منه المجتمع هو التطبيع مع الجريمة، بحيث لم تعد للجرائم أسطورتها وفظاعتها التي تنفر منها النفس بفطرتها وتربيتها، بل أصبح الرأي العام مستعد لتتبع أخبارها، وشيئا فشيئا رفع هذا التتبع والتكرار في وسائل الإعلام ذلك الحاجز النفسي والأخلاقي الذي يكون سدا بين الجريمة والمواطن.
إن الجرائم أصبحت تكتسب نوعا من المشروعية الجماعية فتركب في الذاكرة الجماعية والفردية فكرة مفادها، مادام هناك أناس يستطيعون أن يرتكبوا هذه الجرائم داخل المجتمع، فهذا يعني أن هناك إمكانية مجتمعية وفردية ذاتية لارتكابها، فما الفرق أن تقرأ مقالا في الجريدة عن جريمة؟ أو أن تكون موضوعا لبرنامج تلفزيوني تتابعه بحضور العائلة؟ أو أن تصادف وقوعها في الشارع أمام عينيك مادامت هذه التصرفات أصبحت جزءا من استهلاكنا الإعلامي اليومي؟ بل ضمن ما نقرأه مع فطورنا الصباحي أو فرجتنا التلفزيونية العائلية المسائية؟
وهكذا أصبح المجتمع يتعايش مع الجريمة حد مستويات جد مرعبة، لتمسي نفسية المواطن مستعدة لتتعايش مع جرائم مختلفة وفظيعة، بل هذا الرواج الجرمي الإعلامي رسخ بذهن المواطن أن المجتمع قد أفلس، وأصبح بلا أخلاق، وبات من الطبيعي أن تصدر عنه مثل هذه الجرائم، بل عند المراهق أصبح هذا الموضوع هو حديث الساعة، ومصدر إلهامه النفسي كمراهق، فيتجلى له في الجريمة ذلك الفعل البطولي الذي يهفو له كل مراهق، والذي سيحوله إلى بطل إعلامي، والإعلام لا يرى فيه إلا مادة إعلامية، في حين يفقد فيه الوطن مواطن المستقبل.
إن الوضع الاقتصادي الصعب والضغط الاجتماعي يساهم بشكل كبير في تعداد الجرائم، التي تجعل المجتمع يعيش مأزق وأزمة، لكن حينما نكون أمام بوادر الأزمة، فهل يجب على الإعلام أن يعمقها أم يساهم في علاجها؟
إن تداول أخبار الجريمة على نطاق واسع، جعلها سلوكا اجتماعيا واسع الانتشار، فلم يعد يسلم منها سوى القليلين، أما الأكثرية سواء أكانت من مواطنين أم موظفين، أصبحت مرتكبة أو على الأقل مشاركة في جريمة الفساد، حتى تناسلت الكثير من الأخبار حول الجريمة، ومنها ما يكون أحيانا بدافع تصفية حسابات سياسية ومهنية. في المقابل هناك استعداد لدى الصحافي لنشر أي شيء دون تمحيص أو تدقيق، مما منح للجريمة شرعيتها، فقتلت الأخلاق وقتلت السياسة ليقضي على كل شيء جميل، فهل من الضروري أن يتصارع السياسيون بخلق جرائم وهمية يقوم إعلام الرصيف بنشرها ويصف بها هذا السياسي أو ذاك؟ ومن جانب آخر هل يجوز أن تكون شخصية عمومية متورطة في فساد يهم المال العام أو بعض التصرفات التي تسيء إلى أخلاق السياسة دون نشر أخبارها وفضحها عبر وسائل الإعلام، فالمفروض أن تكون الشخصية العمومية هي النموذج وليس المجرم، فلماذا الإعلام يقتصر على نقل أخبار الجريمة، في حين أن هناك أخبارا لمواطن ينفذ فكرة من أجل مصلحة عامة ولا يتحدث عنه وعنها أحد؟
يبدو أننا وصلنا مجتمعيا وأخلاقيا وإعلاميا مرحلة خطيرة من التدني الأخلاقي، حتى أصبحت بورصة الجرائم تنتج الثراء، وسوق القيم والأخلاق توزع اللامبالاة.