حراك الريف فرصتكم أيها القضاة

14/09/2017 - 13:55
حراك الريف فرصتكم أيها القضاة

أول أمس الثلاثاء، لم يتمالك ممثل النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء نفسه، أثناء جلسة محاكمة معتقلي حراك الريف، عندما صرخ – معاتبا وشاكيا- في وجه المحامين: «والله كيبقى فينا الحال عندما نسمع من يقول إن الملفات تم إعدادها خارج المحكمة».

صرخة قد تكون صادقة بالنسبة إلى حالة أو حالات تقل وتكثر داخل جسم القضاء، لكنها لا تعبّر بالضرورة عن كل الجسم الذي يعج بقضاة شغلهم الشاغل هو القضاء على استقلالية القضاء ونزاهته وهيبته، جشعا أو خوفا من سلطة يفترض أن سلطة القاضي أعلى منها سلطة.

الجشع والخوف متلازمان جدليا، فالقاضي الجشع يرضى أوتوماتيكيا أن يتحول من إمام إلى مأموم خانع قانع بترديد أحكام تملى عليه بالهاتف. وقد أصبح مألوفا لدى العادي والبادي سماع محامين يقسِّمون القضاة إلى صنفين: قاضي مستقل وقاضي تعليمات.

صرخة ممثل النيابة العامة، التي يفترض أنها نابعة من ضمير مستقل و«كرش خاوية»، ستكون عديمة الجدوى إن لم تستتبعها قرارات جريئة من قبيل عدم التشبث بكثير من محاضر الضابطة القضائية، التي أنجزت بمهنية كبيرة في تصيُّد تناقضات تصريحات موقوفين- لا سوابق لهم في الجريمة والتحقيق- بما يدينهم و«يغرق لهم الشقف».

ممثل القضاء الواقف عليه أن يستحضر، أيضا، أن المعتقلين لم تكن لديهم نية إجرامية عندما خرجوا يحتجون على مطالب مشروعة في واقع لم تعد الأحزاب تقدم إجابات عنه، وشارع لم تعد تقوى على النزول إليه. عليه أيضا أن يؤكد أنه وكيلٌ لملكٍ حمَّل مسؤولية أحداث الريف، في خطاب العرش الأخير، للمسؤولين والمنتخبين، وليس للمحتجين وضمنهم المعتقلين الماثلين أمامه، والذين يعلم علم اليقين أن التاريخ سيذكرهم كأبطال للوطن ورموز للحرية حتى إن جرمتهم عدالته وسجنتهم. مرافعات الواقف وأحكام الجالس، أيضا، يجدر بها أن تكون مساهمة في تجاوز اختلالات عدالتنا الجنائية، ومنها «التعامل الآلي مع النصوص القانونية» باعتراف مركز الدراسات والأبحاث الجنائية التابع لوزارة العدل.

يوم 24 غشت المنصرم، خلال جلسة محاكمة معتقلي حراك الريف بالعروي، بالمحكمة الابتدائية بالناظور، استأذن أحد المعتقلين رئيس الجلسة وتوجه لهيئة القضاء: «عليكم أن تشكروا الحراك الشعبي بالريف لأنه منحكم فرصة أن تثبتوا أنكم مستقلون، وأنكم لا تصدرون أحكامكم بناءً على الأوامر. هي فرصة عليكم ألا تضيعوها كقضاة».

فهل يستغل القضاة فرصة أضاعها سياسيون وصحافيون هرولوا في أولى أيام الحراك إلى اتهامه بالانفصال وربطه بالجزائر وإيران والبوليساريو وداعش وتجار المخدرات…، متنازلين عن استقلاليتهم غير متحرجين من أنهم أبواق وملحقات للسلطة، كما لو أن عدم الاستقلالية أصبح اختيارا إيديولوجيا للحزب أو خطا تحريريا للجريدة يميزها عن غيرها.

لقد كان صادما للصحافيين الذين حضروا، أول أمس الثلاثاء، الندوة الصحافية لحميد شباط، أن يسمعوه وهو يتوجه إلى صحافي يمثل موقعا إلكترونيا بالقول: «المخزن ها هو حاضر معنا من خلال موقع (…). شخصيا توقعت أن يزلزل الصحافي إياه الأرض تحت أقدام شباط، احتجاجا لاستقلاليته وموقعه، لكنه رد بابتسامةِ قبولٍ وإقرار.

هل يستغل القضاة فرصة محاكمة نشطاء الحراك ليظهروا عن استقلالية لم تعد تعني كثيرا للكثير من السياسيين والصحافيين والقضاة؟

شارك المقال