أي تعليم يصلح اليوم؟

14/09/2017 - 13:56
أي تعليم يصلح اليوم؟

أي علوم علينا تدريسها؟ أي نوع من الأدب علينا نشره؟ أي لغات؟ أي فلسفة؟ «شونريو سوزوكي، شيخ «الزين» (zen) الياباني، الذي يعيش في الولايات المتحدة يمدنا- في صورة بلاغية تبعث على التأمل (koan)- بجواب مبهم وعميق لكل هذه الأسئلة المركزية، مع هذا الدخول المدرسي: «بالنسبة إلى المبتدئ هناك سبل عديدة مفتوحة أمامه، وبالنسبة إلى العالم هناك عدد محدود منها فقط».

يمكن أن نستخلص ألف درس ودرس كلها متناقضة تماما مثل كل الـ»كونات» (koans). أولا، يمكن أن نستخلص منها أن المبتدئ محكوم عليه بالتيه بين الطرق المسدودة إلم يحرص على التعلم والدراسة، بينما يمكن للعالم الدفع بالمعرفة إلى الأمام بالبناء على المعارف التي راكمها الآخرون قبله. فلا يمكننا بالتالي، الوصول إلى الجديد بدون استيعاب المعارف التي راكمها السابقون. وبالتالي، على التعليم، وقبل أي شيء، أن يحرص على اكتساب المعارف القائمة. إذ بفضل اكتساب كل معارف زمانه في الطفولة – من اللغة اللاتينية إلى القانون، مرورا بالعلوم- تمك «لايبنيز»(leibniz) من بناء نظرية الحساب المتناهي الصغر (infinitesimal) في حوار متوتر مع (إسحاق) نيوتن.

وعلى العكس تماما، يمكننا أن نستخلص من تلك الصورة البلاغية اليابانية ذاتها أن المثقلين بالمعرفة يجدون أنفسهم سجناء «براديغمات مغلقة» تمنعهم من التحرك بجرأة، بينما المبتدئ، الذي لا يشغل باله بالنظريات الموجودة سلفا، يكون في وضع أفضل للتفكير في القضايا بطريقة جديدة. إذا ما اتبعنا هذا التحليل، فلا يجب علينا البتة تنظيم التعليم على أنه تراكم للمعارف، بل كحافز ومحفز دائم على إعادة النظر في المعرفة القائمة، وذلك لتجريب فرضيات جديدة. وعلى سبيل المثال، فبفضل حرص والده- الذي كان يشرف على تعليمه- على عدم تلقينه المعارف الكلاسيكية لزمانه، تمكن «بليز باسكال» من اكتساب الجرأة على التفكير في الإرهاصات الأولى لحساب الاحتمالات. كذلك تمكن إينشتاين، الذي لم يتلق تعليما عالي المستوى في أكبر الجامعات في عهده، من فتح سبل كان الجميع يعتقد أنها محكمة الإغلاق.

لا شك أن التأويل الأول لهذه الصورة البلاغية اليابانية لا يفضي بنا إلى جعل التعليم مجرد تلقين ببغائي، كما أن التأويل الثاني لا يجب بتاتا أن يتحول إلى مديح وتقريظ للجهل. نرى كثيرين اليوم يكتفون بتكرار ما تعلموه، أو آخرين يجهلون المعارف الأكثر رسوخا مثل نظرية التطور، لأنهم لم يتعلموا أي شيء.

هنا تكمن الصعوبة البالغة والحساسة للتعليم. إذ في عالم يطالب فيه كل واحد، عن حق، بحرية التفكير المطلقة، بل وحرية الدعاية لما يعتقده، يتعين عدم تعليم (أو الدفع إلى تصديق) فرضية ثبت خطؤها من طرف المجتمع العلمي بناء على تجارب حقيقية.

إن الميزة الأساسية للتعليم الناجح هي تلقين التلاميذ الحقائق الثابتة في لحظة معينة من تاريخ العلوم، دون منعهم من إعادة النظر فيها حتى يتمكنوا من اقتراح تفسير أفضل للعالم.

والحال أن الأمر الوحيد الذي يستحق فعلا تلقينه، ولا نجده في أي مقرر ولا في أي اختبار، هو التفكير النقدي (esprit critique).

إني أحلم بأستاذ يكون تخصصه الوحيد هو «اللاتخصص»، ويعمل على دفع التلاميذ إلى اكتساب جرأة النقد والحس الإنساني في التعلم، وذلك في كل تخصصات زملائه.

شارك المقال