عن الحكامة الأمنية الجيدة

15/09/2017 - 10:40
عن الحكامة الأمنية الجيدة

نقصد بـ»الحكامة الأمنية» في هذا المقام، الحكامة الأمنية الجيدة، التي تحول هذا المرفق من أداة هيمنة وقمع للحريات الفردية والجماعية، إلى مؤسسة في خدمة الجميع باسم القانون وتأسيسا على الشرعية. فالأمن أولا، لم يعد ذي بُعد واحد، أي المحافظة على الوضع القائم بأي ثمن، بل توسعت معانيه لتشمل كل مناحي الحياة، أي كل الجوانب التي تتيح للأفراد والجماعات شروط العيش المشترك، وتُقنعهم وتشحذ وعيهم الانخراط في الشأن العام بإرادة وولاء قويين.. إن الحكامة الأمنية المطلوبة والمنشودة في المجتمعات الانتقالية، كما هو حال البلاد العربية، هي التي تجعل الناس متصالحين مع مؤسسات وأجهزة أمنهم، وتُحوِّلهم من مجرد خاضعين ومستكينين، إلى مواطنين مشاركين في حماية أمن بلدانهم، ومدافعين عن ديمومته واستمراره.

يعرف القارئُ الكريم أن موضوع الأمن في بلادنا العربية مازال عنوانا مُخيفا عند النطق به، أو سماع ذكره، أو الاحتكاك به حتى في لحظات الضرورة، وكثيرا ما يتجنب الناس، حتى وإن اقتضى الأمر منهم التنازل عن حقوقهم، التواصل مع أجهزة الأمن، أو الاحتماء بها وطلب خدماتها، علما أنها مرفق مثل كل المرافق، وظيفتها تلبية حاجيات المرتفقين ليس إلا. لكن نعرف، بالمقابل، أن الصورة التي تمَّ بثُّها في مِخيالِنا الجماعي، وتعمَّدت مُمارسات عقود كثيرة ترسيخها في أذهاننا أن أجهزة الأمن مُخيفةٌ بطبيعتها، وأن الجميع مطالب بالخنوع  لها دون تساؤل أو نقاش أو اعتراض. ثم إن مفهوم «الحكامة الأمنية» نفسه، حديث الولوج إلى دائرة اهتمامنا العربي، بل أكاد أجزم أنه مازال محصورا في دوائر جد ضيقة ولم يتلمس بعد طريقه إلى الاهتمام الجماعي، فبالأحرى النقاش العمومي.

وإذا شئنا الانتقال من التجريد إلى التشخيص، ونظرنا إلى واقع المؤسسات الأمنية في البلاد العربية التي عرفت انتقالات في أعقاب الحراك الذي مسَّ مجتمعاتها، أو التي مازالت الآفاق لم تتضح بعد في ربوعها، فإننا دون شك سنلمس أهمية الحكامة الأمنية الجيدة في إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي، وتوطيد بنيانه. ففي تونس، على سبيل المثال، يعرف الجميع الدور المؤثر لأجهزة الأمن الخاصة ووزارة الداخلية في تقوية هيمنة النظام السابق، وضمان استمراره أكثر من عشرين سنة. والأمر نفسه ينسحب على مصر في عهد «حسني مبارك»، وهو ما يُلمس بقوة أكثر في سوريا، حيث تعددت أجهزة الأمن، وتكاثرت إلى حد الاختناق. والواقع أن الظاهرة عامة ومشتركة في البلاد العربية، وإن اختلفت درجاتها من دولة إلى أخرى.

لننظر، على سبيل المثال، إلى التجارب التي سبقت منطقتنا العربية، وأعادت هيكلة مؤسساتها الأمنية بشكل جعلها داعِمة لديناميات التغيير في بلدانها، من قبيل جمهوريتي «جورجيا» و»جنوب إفريقيا» تحديدا، ولنحاول فهم فلسفة التغيير وتمثل الدروس المستفادة منها.

لعل أول مفتاح ساهم في نجاح التجربتين المشار إليهما أعلاه، يكمن في توفر «الإرادة السياسية» لإصلاح المؤسسة الأمنية. ونقصد بالإرادة السياسية هنا، التوافق عبر الحوار والتداول حول ضرورة الإصلاح الأمني في تعزيز عملية الانتقال الديمقراطي. ويعقب التوافق الجماعي، الواضح والواعي، وضعُ استراتيجيات الإصلاح، أي تحديد فلسفة الإصلاح، ورسم خطواتها، وتشخيص أدواتها ووسائلها. وقبل هذا وذاك، بناء التأييد الواسع حولها، وفق منهجية حوارية وتشاركية. ثم الإصرار على المضي في عملية الإصلاح بالتطوير والتقييم ومراكمة الإنجازات.. إنها أحد العناصر الأساسية في سر نجاح تجربتي جمهوريتي  جورجيا وجنوب إفريقيا.

هناك طبعا إلى جانب مفتاح الإرادة السياسية، مفاتيح كثيرة أعطت للإصلاح الأمني في التجارب الدولية الناجحة قوة وزخما أكثر، لا يسمح المقام بتدقيقها. غير أننا نعتبر توفر الإرادة السياسية في الحالة العربية مفتاح المفاتيح، وبدونها يتعذر بناء رؤية فعالة وناجعة لنجاح الانتقالات في مجتمعاتنا العربية.. ولا يخالني شك في أن القارئ النبيه والمطالع العميق لما يجري في بلادنا العربية، يُدرك  تمام الإدراك ضعف توفر مثل هذه الأرادة، وتعدد المقاومات لتحققها، وتضارب المصالح وتنازعها  للحيلولة دون تحققها.. وحتى يكون المرء موضوعيا نقول ليست المقاومات داخلية فحسب، بل إنها أيضا إقليمية ودولية، وهذا ما يعقد النجاح في مشروع إصلاح المؤسسات الأمنية في أوطاننا.

شارك المقال