الحاجة إلى رجالات الدولة

26 سبتمبر 2017 - 15:40

زارني مؤخرا صديق مهتم بأحوال السياسة، وحدثني كثيرا في السياسة وقليلا عن التاريخ، كان منزعجا بشكل كبير، وأنهى كلامه بالتأكيد على أننا نعيش الفراغ، وهذا الفراغ يصنع اليأس والمغامرة. ابتسمت في وجهه دون تعليق، وخرج مشمئزا، يبدو أنه كان ينتظر جوابا، ولكن في الحقيقة لا جواب لدي.

لا أعلم لماذا حين مغادرته، تذكرت قول الراحل الحسن الثاني في آخر أيامه، خلال أحد حواراته مع جريدة “الشرق الأوسط”: “لم تعد هناك شخصيات كبرى تقتضي المواجهة”، فطرحت السؤال دون شعور، هل حقا اختفى الكبار من الساحة؟

صحيح أن تاريخ الدول لا يصنعه المنقادون ولا الصامتون ولا حتى المنتظرون، بل يصنع أمجادها رجالات الدولة، وهؤلاء ليسوا بالضرورة من أصحاب القرار، بل هم بالأساس أصحاب المبادرة وتحمل المسؤولية الكاملة، هم الذين لا ينتظرون التعليمات، ولا يفكرون فقط، في إرضاء من يعلوهم، ولكنهم يفكرون أولا في إرضاء قناعاتهم، ينفذون أفكارهم ويدافعون عنها، ويتحملون مسؤولية أخطائهم ويقبلون بنتائجها.

رجالات الدولة الحقيقيون هم من يدركون أن الزمن دفعهم إلى موقع المساءلة، يشعرون بأن حريتهم تكمن في قدرتهم على إبداء آرائهم، وعلى صنع القرارات بناء على المصلحة العامة ووفاء لقناعاتهم الشخصية، يترفعون عن الصغائر، ولا تخيفهم طبيعة الردود التي قد تنال من مواقعهم. لذلك، فإن رجالات الدولة لا يتموقعون ليراكموا المصالح الخاصة، بل إنهم يستحضرون، دائما، أنهم سيرحلون في يوم من الأيام.

الحقيقة أنه حينما أبحث عن هذه الطينة من رجالات الدولة في واقعنا اليوم، أجد نفسي في مأزق لا بداية ولا نهاية له، أجد أن من يتحملون مسؤولية مؤسسات خلدوا فيها دون مبادرات، معتقدين أن استمرارهم في مواقعهم ليس لأنهم لا يبادرون ولا يقررون فحسب، ولكن، كذلك، لأنهم ينتظرون التعليمات.

لقد انقلبت المفاهيم حتى سار المسؤول الناجح هو الذي لا تحيط به المشاكل، في حين أن المسؤول الحقيقي هو الذي يغير الأشياء ويدفع بها إلى الأمام وسط المواجهات والصعوبات، أما ذلك الذي يكلس الأشياء ويُصنّم المساعدين والمقربين والموالين، فإنه في حقيقة الأمر لا يراكم سوى الخيبات ويؤخر اكتشافها بعد زمن، وحينها يصعب حلها ويتعقد تفكيكها.

الحقيقة أنه إذا كنا محتاجين في كل مرة إلى عملية تطهير ومتابعات من أجل المال العام، فإن الأولى ألا ننسى أشخاصا في مواقع حساسة، لأنه بالنسيان يتم خرق مصالح الأفراد والجماعات، فتبتدئ الإخلالات، وينتهي كل شيء بالتواطؤ من خلال السكوت، على عكس تغيير الأشخاص في مواقع المسؤولية داخل الدولة الذي لا يمكنه إلا أن يذكي نار المنافسة، ويدفع بالأمور إلى الأمام، ويسمح بتحسين البرامج والأفكار، لأن الدولة التي تعتمد على الصمت والاستقرار المريب، فإنها في الحقيقة تنام فوق فوهة بركان لا بد أن ينفجر ذات يوم.

إن التغيير في الأشخاص وفي الأفكار، هو قرار طبيعي وعادي في مختلف الدول، وأمر روتيني يتم باستمرار لضمان تطور الدولة، ولا يمكنه أن يكون سوى مصدر للتحسن نحو الأفضل، ونحو الأحسن. فهل نحتاج إلى شجاعة خاصة لنغير المواقع والأشخاص ونفكك المصالح والولاءات، من أجل شيء أجمل في حياتنا اسمه الدولة والوطن؟

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.