منذ توليه حقيبة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، أثار الوزير الجديد، القادم من أم الوزارات، جدلا كبيرا بسبب الانطباع العام الذي يحاول ترسيخه، إعلاميا على الأقل، بكونه يحمل في جعبته الإكسير السحري الذي سيعيد للتعليم حيويته وقيمته ويبعث ذكريات الزمن الضائع من رمادها. زيارات مفاجئة وخاطفة، لجان تفتيش، قرارات إعفاء، توجهات جديدة، بحث عن بروفايلات جديدة لإدارة الأكاديميات حتى من خارج قطاع التربية الوطنية، بل من القطاع العام برمته، حرص على مظهر المؤسسات التربوية وهندام الأستاذ وترديد النشيد الوطني كل صباح. التعليم يتحرّك. إلى أين؟ ستتضح الوجهة أكثر مع توالي القرارات والتوجهات. كل قرار جديد وكل توجه يتيح تقديم قراءة نقدية لرحلة الداخلية في إصلاح التعليم. هنا أود التوقف عند التوجه القاضي بتدريس اللغة الفرنسية منذ المستوى الأول لتلامذة الابتدائي، بعدما كان تدريسها يبدأ منذ المستوى الثالث بالنسبة إلى القطاع العام.
بدءا، أجد أن من يقرأ توجها مماثلا من زاوية بسط الهيمنة الفرنكوفونية ومحاربة العربية وتغريب أولاد الشعب وإشاعة الفرنسية، على حساب المكانة التي خصصها الدستور للعربية، يجازف قليلا. أولا، لأن التحذير من وجود إرادة مماثلة (لبسط النفوذ الفرنكوفوني) يستدعي أن يكون التعليم بالقطاع العام أصلا متقدّم جدا وناجح في حفر اللغات عميقا في أذهان الناشئة، بما لا يشق له غبار وبمجرّد أن يقرّر إدراج لغة جديدة في مقررات مستوى معين، فحظوظ تملّكها من الصغار مرتفعة جدا، وإلا فدراسة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تعود لفبراير من هذا العام، كشفت أن التعليم العمومي لا يحقق الأهداف المرجوة منه، ويجعل ألسنة التلاميذ متعثرة في كافة اللغات، بما فيها العربية. وكل ما هنالك، أن تلك الدراسة كانت قد كشفت أن أدنى مستوى مسجل في مكتسبات التلاميذ، بالنسبة إلى الأدبيين على الخصوص، هو ذلك الخاص باللغة الفرنسية. ولربّما يحاول حصّاد الإجابة عن هذه المعضلة في تعلم الفرنسية بفرضها منذ المستوى الأول. كما قد يصح، أيضا، أن بعض الدوائر الفرنكوفونية لم ترقها هذه النتيجة فمارست بعض الضغط. وماذا بعد؟ شخصيّا أرى أنه إذا كانت الدولة ترى نفسها قادرة على « إنتاج » تلميذ تسيل الفرنسية من فمه ماء زلالا عذبا، مع نهاية المرحلة الابتدائية سواء بسواء مع زميله الذي درس بالقطاع الخاص، والذي صرف عليه أهله في المتوسط 1200 درهم في الشهر طيلة أعوام، فبها ونعمت. أي فتح كبير أكبر من هذا!
أما إذا بدا لك عزيزي القارئ أن الأمر محال، وأن الدولة التي لم تنجح في تخريج تلميذ ينهي جملة واحدة مفيدة بالعربية، كيف بها ستنجح في تخريج تلميذ يتلاعب باللغتين بكل رشاقة؟ المسألة هي هل لدى المدرسة العمومية الكفاءة والرؤية والإبداع اللازم للنجاح في تدريس أي مادة. السؤال ليس هو كم لغة ندرس للتلميذ وتأثير ذلك على الهوية. التعليم الخصوصي في المغرب يدرّس اللغتين منذ « لاكريش »، وناجح نسبيّا في ذلك. ومن بين من تتعتع ألسنتهم بالفرنسية منذ الحضانة والأيام الأولى للابتدائي أبناء قادة وأعضاء بالحركات الإسلامية. ولا يصنع ذلك من أبنائهم « مستلبين » ولا هم يحزنون. بل يتمكنون بيسر وبفضل تلك اللغة التي يضيفون إليها الإنجليزية في مرحلة لاحقة من العبور إلى جامعات ومعاهد وتخصصات مدرة للربح، وليس للدخل. أي دخل.
تحكي طريفة عن معاناة قوم مع حاكم ظالم جلب فيلا لقريته، وكان ذلك الفيل يفسد في القرية ويدمر ممتلكات الرعايا. في مرة تشجع نفر من القوم وتوجهوا عند الحاكم المرعب لطلب إجلاء الفيل عن القرية، لمّا دخلوا عليه، وبمجرد أن ذكروا « فيله المدلّل » تطاير الشرر من عينيه سائلا هل أصاب فيله مكروها؟ من شدة الخوف أجابوه « نْعَم اسيدي غير قلنا الفيل غادي يقنط بوحدو إلى كان ممكن تجيبلو شي « فِيلة » (أنثى) تونسو ». إذا نجح حصاد في مهمة فرنسة ألسنة أولاد الشعب سيكون قد نجح، وإذا أخفق كل ما سيكون قد حققه، هو زيادة « فيلة » مفرنسة اللسان لمشاكل القطاع..