هل أزمة التلفزيون مالية فقط؟

28 سبتمبر 2017 - 14:55

قبل أيام جمعني حديث مع أحد العاملين في “ميدي 1 تي في”. تحدثنا عن واقع القناة التي لم تنجح خيارات حسن خيار في إخراجها من الأزمة التي كانت تتخبط فيها على عهد مديرها السابق عباس العزوزي. قال محدثي إن مشكلة “ميدي 1 تي في” ليست مالية بالدرجة الأولى؛ فقد ضخ فيها الإماراتيون 800 مليون درهم بمجرد دخولهم إليها، ثم أضافوا مبالغ أخرى، لكن ذلك لم يكن له أثر واضح على أدائها وخطها التحريري. إن قناة تلفزيونية بدون مشروع تحريري وهيكلي واضح لا يمكن أن تكون قيمة مضافة ويكون لخطابها مصداقية وأثر، أضاف محدثي.

وهل تملك الإمارات، ومعها حتى السعودية، مشروعا استراتيجيا في المنطقة، مثل ما تملكه تركيا وإيران وإسرائيل، حتى يمكنها فرضه على قناة صغيرة في طنجة، إذ ضخت فيها أموالا كما قد تضخها في شركة للإسمنت؟ تساءلت. مشاريع الإمارات، الإعلامية والسياسية، تشبه فرقعات الشرطي الإماراتي الشهير، ضاحي خلفان، فهي ليست أكثر من ردود أفعال، غالبا غير محسوبة، في تعقب جذوات الربيع العربي لإطفائها أو لإشعالها أكثر حتى تتحول من مضيئة إلى مُحرقة، كما فعلت في سوريا وليبيا واليمن ومصر.

هاجس الإمارات، في السياسة كما في الإعلام، هو القضاء على الإسلاميين الذين اقتنعوا – أو تظاهروا بالاقتناع- بأن الإسلام لا يتنافى مع الديمقراطية وانخرطوا في الربيع العربي، ثم في العملية الديمقراطية كل على طريقته. وبالمقابل تشجيع إسلاميي “حزب النور” ودعاة: “تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك”.

هاجس الإمارات هذا – ويا للمفارقة- هو الذي يتحكم في الهندسة الإعلامية لكل من فيصل العرايشي وسميرة سيطايل وسليم الشيخ… فهذه النخب الليبرالية، عوض أن تؤسس إعلاما مواطنا، يسع لكل المغاربة، وينطلق من سؤال أي إعلام نحتاج أمام آلاف الفضائيات المتاحة، وبعدما صار لكل مغربي قناته الخاصة على اليوتوب وبثه المباشر على فايسبوك؟ فإنهم يطرحون سؤالا: أي إعلام يمكِّننا من محاربة “الخوانجية”؟ (العدد الأخير من المجلة العلمانية “تيل كيل” قدم نماذج عن التعتيم الذي طال بنكيران، وهو رئيس للحكومة، من التلفزيون). وللإجابة عن هذا سؤال- الهاجس: أي إعلام يمكِّننا من محاربة “الخوانجية”؟ يفسحون التلفزيونات لبرامج ترفيهية مستبلدة، ولمغنيي كاباريهات، ولمحللين سياسيين بأوداج منتفخة وأفكار مثيرة للسخرية. والنتيجة: مزيدا من هجرة المشاهدين المغاربة لقنوات هم من يمولونها من جيوبهم، ومزيدا من “أخونة” المجتمع، من حيث أريد العكس. فيما يشبه تماما ما حدث في مسيرة “ولد زروال”، التي دفعت العديد من المغاربة العلمانيين للدفاع عن العدالة والتنمية، بل والتصويت له.

ما قاله محدثي عن “ميدي 1 تي في”، ينطبق على “SNRT”، التي تأخذ من الميزانية العامة للدولة 500 مليون درهم، ولننظر إلى حالتها، و”دوزيم” التي تحصل على 40 مليون درهم من الدعم العمومي، وتتخبط في أزمة مالية خانقة جعلتها غير قادرة على صرف تعويضات صحفييها وتقنييها. سوف تمر هذه الأزمة المالية، كسابقاتها، بتدخل الدولة أو الخواص. لكن أزمة المشروع الإعلامي لن تمر إلا بمجيء مسؤولين، ولو كانوا فرنكفونيين مثل سميرة وسليم، لكنهم لا يحتقرون المغاربة ويعتبرون أن الديمقراطية والأفكار العميقة والأذواق الراقية خلقت فقط للفرنسيين، مثلما أكد ذلك الصحافي عمر بروكسي في كتابه الصادر قبل أيام: “La République de Sa Majesté”.

ما ينشر من أخبار هذه الأيام، يفيد بأن أزمة القنوات العمومية وشبه العمومية، هو أمر أصبح يؤرق أعلى الجهات في الدولة، وأن التغيير آت. لكن، هل يشمل التغيير العقليات أم “الشخصيات” فقط؟ تلكم هي المسألة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.