مالي بين خيارين: السلم أو التفتيت

31/10/2017 - 21:02
 مالي بين خيارين: السلم أو التفتيت
 علي الانصاري
    تعيش جمهورية مالي،الدولة الغرب افريقية، وضعا سياسيا وعسكريا وامنيا واقتصاديا، يرخي بظلاله على كافة دول المنطقة، نظرا لارتباطات جغرافية وبشرية ،تترابط فيما بينها،  مما يجعل مطلب الامن والاستقرار مطلبا ليس محليا فقط، بل ايضا اقليميا.
 في التقرير التالي نشخص الوضع على كافة المستويات، لنخرج بحقيقة التحديات التي تواجه هذه الدولة ، والتي قد تؤدي إلى  مخاطر كبرى على المنطقة ككل.
 مالي سياسيا: صراع المصالح الاقليمية
تقف الجمهورية المالية على حافة اتجاهات متعددة ومتباينة، بين اتجاه إنجاح اتفاق السلم وصيانة الوحدة الترابية  وعودة الاستقرار، ونقيضه استمرار الفوضى الحالية وغياب الأمن والاستقرار، والذي سيؤدي لا محالة الى تفتيت الجمهورية.
  الاتجاه الأول، المتمثل في  نجاح  تطبيق اتفاق السلم المصالحة والتفاهمات السلمية، يواجه تحديات جمة من أهمها الخلافات بين جهتين رئيسيتين، لهما تأثير كبير على القرار في مالي، الا وهي الجزائر وفرنسا، فالسياسة ماكرونية الجديدة في المنطقة والتي يشرف عليها مستشارون أمنيون هاجسهن إعادة استعمار افريقيا الغربية، لا ترضى بتاتا الطموح الجزائري، المتمسك بالتأثير الواقعي على امتدادات الطوارق في جنوبه، ليظل بذلك الجهة الأكثر تأثيرا في قرار باماكو  ولم لا نيامي، طرابلس فيما بعد، ويظل الأزواد   » شمال  مالي » الأهم بالنسبة للمرادية.
  تتمثل اختلاف وجهات النظر بين الجزائر وفرنسا، في اعتقاد  مستشاري ماكرون الأمنيين بأن علاقات المتحكمين في المرادية مع جهات نافذة في مالي شمالا وجنوبا  » الاوساط العسكرية » لن تسمح بأية استراتيجية فرنسية  بالنجاح، وهذا يقلل من الدور الفرنسي في الساحل ويعرض قوات البرخان للخطر، من خلال حماية أهداف معينة بمجرد اقتراب القوة الفرنسية منها.
  ويأتي هذا الصراع ضمن صراعات أخرى على المنطقة منها ماهو ذي طابع اقليمي ودولي، من قبيل سعي أمريكي حثيث لإنشاء قاعدة في شمال مالي  » من خلال ملاحظة نشاط السفارة الأمريكية في باماكو والتي اكتسبت أهمية كبيرة خلال السنوات الأخيرة ». ولا يخف السفير الامريكي دعمه لمنح « الأزواد « نوعا من الوضع السياسي، قد لا يصل للحكم الذاتي، الذي يتيح  لقيادة المنطقة المشاركة في اتخاذ القرار وتدبير  بعضا من شؤونهم المحلية، وهو أمر يحرك الأجهزة الجزائرية .
من جهتها، تحرك جهات فرنسا ومالية، فعاليات و » حركات » وقبائل من المنطقة من أجل التقليل من مكاسب اتفاقية السلام والمصالحة لصالح الأزواديين، وهو أمر يرضي المعارضة المالية وبعض أجنحة الحكم، وهو السبب الرئيسي في ارجاء خطة الرئيس أبوبكر كيتا، بتعديل الدستوري، ليتلاءم مع اتفاق السلم والمصالحة .
  ويمهد عدول الرئيس عن تعديل الدستوري لإعلانه الترشح لولاية ثانية، فهو من جهة يخفف من مخاوف المعارضة ومن جهة اخرى لا يلغي تماما النية في تعديل الدستور من أجل تطبيق اتفاق السلام.
 فيما تستند المعارضة التي يقودها سوميلا سيسي، الرئيس السابق للمجموعة الاقتصادية لغرب افريقيا المالي، على احصائيات وتحاليل ونفور شعبي من عدم قدرة الرئيس أبوبكر كيتا على انجاح خطة السلام في مالي وتقديمه تنازلات لصالح الحركات الأزوادية وجمود العملية السلمية، وهي مواقف تحرك قادة الجيش الذين يرون أن تخاذل الرئيس وعدم حسمه في العديد من المسائل شجع المعارضة الشمالية  » الطوارق » على الصمود والمطالبة بامتيازات قد تقوض وحدة مالي، كما أن الجيش المالي لم يعد له نفس الدور الذي كان يقوم به في السابق في ظل فتح الرئيس شمال البلاد ووسطها لآلآف الجنود من جنسيات مختلفة.
 وتركز المعارضة ايضا على الفساد المالي والإداري، خاصة فيما يخص المنح والمساعدات الدولية لمالي، حيث تم صرف معظم المبالغ الممنوحة لمالي في اجتماعات ومؤتمرات وشراء طائرة خاصة للرئيس، ولم تكن لها انعكاسات على التنمية داخل مالي، والتي تعتبر حجر الأساس  للاستقرار والسلم » .
 لكن رغم كل انتقادات المعارضة كل المؤشرات ترجح فوز الرئيس الحالي بولاية ثانية، نظرا للدعم الفرنسي والاقليمي، ولضعف  تجمع أحزاب المعارضة وعدم  قدرتها على بناء توافقات لتقديم مرشح موحد، وغياب برامج بديلة ووجهة نظرا واضحة وموحدة  حول تطبيق اتفاقية السلم والمصالحة، فالمعارضة  تعارض تعديل الدستور لتطبيق اتفاق السلام، لكنها لا تعارض الاتفاق ولم تقدم بدائل بالنسبة لتعديله.
  على المستوى العسكري يبرر الرئيس كيتا، تهميشه للجيش وتسليحه بكون ذلك يهدد الديمقراطية والاستقرار في مالي، فالحرب في الشمال كانت دائما مبررا للانقلابات في مالي، وهذا يزعج الأوساط العسكرية التي تريد أن يكون لها دور رئيسي في تطبيق اتفاق السلام في الشمال وتخصيص أموال إضافية لتسليح الجيش  » هي صفقات يستفيد  منها قادة الجيش »، معظم الأسلحة التي توصل بها الجيش المالي خلال السنوات الاخيرة كانت في شكل منح وهبات من جهات دولية في إطار الدعم  الدولي من أجل مواجهة الإرهاب.
  وترى الأوساط الاقليمية أن الرهان الحقيقي لمالي هو مواجهة الحركات الجهادية،  القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي والمرابطون وحركة ابوالوليد الصحراوي، وحركة أنصار الإسلام والمسلمين، والتي يقودها اياد اغ غالي وحليفتها ماسينا، اللتان تهددان العمق المالي، خاصة العاصمة باماكو وغيرها من العواصم في غرب افريقيا.
يرتبط اياد  اغ غالي بعلاقات قوية مع بعض الأوساط السياسية و العسكرية المالية وبالطبع في الشمال الأزواد، وهناك دعوات إلى ضرورة ضمه الى اتفاق السلام المصالحة، وهي نفس الخلاصة التي خرج بها مؤتمر وفاق مالي في مارس السابق وكان بمثابة غزل من الرئيس لتلك الأوساط العسكرية وللجزائر وأوساط من تنسيقية حركات الازواد  » قبيلة افوغاس » خاصة والطوارق عامة، لكن وساطة رئيس المجلس الإسلامي محمود ديكو فشلت في هذا الإطار، على أساس أن فرنسا لا تنظر للمصالحة مع قائد انصار الاسلام والمسلمين بعين الرضا، خاصة بعد ووقوع ضحايا فرنسيين على يد  الحركة التي يترأسها بالإضافة لمقتل رهينة فرنسية، وتعتقد أن ضم اياد اغ غالي إلى معادلة الحل في شمال مالي يقوي الدور الجزائري في المنطقة.
مالي : الأمن المتردي
 على المستوى الأمني، تنقسم مالي إلى ثلاثة اقسام، العاصمة باماكو هي الأكثر أمانا، وان كانت مستهدفة من قبل حركة نصرة الاسلام والمسلمين ومن خلايا ماسينا، وهي تستغل الفراغ الأمني وقلة خبرة الأجهزة الأمنية المالية، التي يبدو أنها فوضت للقوات الأجنبية مهمة حماية الأمن في العاصمة، وتفضل  الحركة « الجهادية » أن تستهدف الفنادق والمنتجعات التي يرتادها الأجانب الفرنسيين خاصة والجنسيات الاوربية الاخرى « عدوها الأساسي « ، وتستغل  هذه تواطئ جهات امنية وعسكرية في مالي محبطة من احوالها الاجتماعية.
 الوسط : أقل أمنا من باماكو وتنشط فيه حركة ماسينا الفلانية، وهي توالي القاعدة وتأتمر بأمر اياد اغ غالي ومرتبطة بشمال بوركينا فاسو، وتعتمد الطابع العرقي من قبيل تهميش الفلان في مالي، بالاضافة إلى الجانب الديني المرتبط تاريخيا بحركة دينية إصلاحية قادها أحد شيوخها على عهد الاستعمار.
وتتواطئ أوساط محلية مع الحركة، حيث يتوارى أعضاءها داخل الساكنة المحلية، مما يصعب التمييز بينها وبين السكان المحليين، ولها جانب اقتصادي تضامني مهم، في ظل تراجع الأسباب المعيشية في المنطقة، معروفة بإستعمالها للدراجات النارية في عملياتها. كما تتميز بعدم تورطها مع حركات التهريب والاختطاف.
 القسم الثالث هو الشمال: حيث تنشط أغلب الحركات الجهادية، القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي  » نصرة الاسلام » حركة المرابطين، حركة ابوالوليد الصحراوي الموالية لداعش، والحركات الاستقلالية الطوارقية والعربية، بالإضافة إلى عصابات التهريب السلع  والمهاجرين، والكوكايين  و »المالبورو »، وتترابط المصالح بين هذه الحركات والعصابات بشكل يصعب معه التمييز بينها.
 فالتهريب هو النشاط الاقتصادي الأبرز في المنطقة في غياب أي نشاط اخر، وتتبادل هذه الحركات رغم اختلاف توجهاتها المصالح والمنافع والمعلومات، كما تتقاطع مع أجهزة استخباراتية متصارعة فيما بينها على مصالح في المنطقة ، لكافة هذه الحركات امتدادات داخل الجزائر وموريتانيا وليبيا والنيجر، بالاضافة الى امتدادات في الشرق الاوسط ،عبر امتدادات ايديولوجية تأخذ طابع المصالح الاقتصادية والمنافع في شكل منح زكاة صدقات، عمل خيري.
الانصاري
 مالي اقتصاديا : بين الفساد  وغياب البدائل التنموية
 احتفلت مالي هذه السنة بزيادة انتاجها من الذهب، لتصبح  من أهم مصدريه في العالم،  لكن الشركات الروسية تحتكر هذا المجال في مالي منذ الاستقلال.
تقع مناجم الذهب في الجنوب  وفي حوض تنبكتو، الاعلان كان لحظة مهمة بالنسبة لفريق الرئيس كيتا، إذ اعتبره انجازا اقتصاديا مهما له في ولايته، لكن مقابل ذلك تراجع انتاج القطن وهم و من أهم صادرات مالي إلى الخارج، وتراجع إنتاج الأرز، وهو المحصول الرئيس في مالي والأكلة الشعبية فيها، وبالتالي اضطر مالي إلى استيرداه من الصين.
ورغم زيادة الاستثمارات الأجنبية، لكنها لم  تتعد منطقة باماكو نظرا للظروف الأمنية، وتطمح مالي إلى استضافة مؤتمر دولي للاستثمار في دجنبر المقبل لزيادة حجم الاستثمارات الاجنبية، لكن يبدو أن الظروف الأمنية المتردية تحول دون  ذلك الطموح، ولطمأنة المستثمرين أعلنت مالي عن انشاء جهاز خاص لمكافحة الارهاب قبل شهر بدعم  غربي و فرنسي خاصة، تم اختيار عناصره من نخبة الشرطة والجيش المالي، لكن هذا الجهاز تعوزه الامكانيات  والتجربة .
ويتمركز هذا الجهاز الأمني في باماكو لحماية المؤسسات الاجنبية بالذات، ولا تقبل عناصره العمل في مناطق الشمال، حيث تعتمد الأجهزة الاستخبارتية على عناصر مزدوجة التعامل مع جهات متعددة، مقابل امتيازات محلية، وهي مكشوفة للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وغيرها من الحركات، تم مؤخر تنفيذ حكم الاعدام أمام الملأ في الشمال في عنصرين يعملان لصالح مالي وموريتانيا، مما شكل صدمة كبيرة للناس.
 وتعتمد مالي في ميزانيتها على المنح الدولية، حيث خصصت الدول المانحة ما يفوق خمسة مليارات لمالي خلال السنتين السابقتين، تصرف أغلب بنوده في تطبيق اتفاق السلام الموقع في الجزائر، وبالتالي فإن الاقتصاد المالي، والذي يعتمد على الزراعة وتنمية المواشي يعاني كثيرا، وتزيد من معاناته غموض الأفق المستقبلي وتخلف أغلب الدول المناحة عن تقديم دعمها بسبب تهم بالفساد تلاحق أغلب أعضاء الفريق المحيط بالرئيس إبراهيم أبوبكر كيتا، قدرت منظمة الشفافية الدولية حجم الرشوة في مالي خلال السنة الفارضة بما يقارب سبعين مليار سيفا.
 موعدان أمام مالي خلال هذه السنة: اجتماع الدول المناحة في برلين نهاية السنة الحالية، وإنجاح المؤتمر الاستثماري في دجنبر المقبل لجذب بعض الفاعلين الاقتصاديين للاستثمار لكن تبقى الحالة الامنية ، المعيق الاول لهذا التوجه.

شارك المقال