ديكتاتورية الفردانية وديكتاتورية السوق

02 نوفمبر 2017 - 12:06

تقوم وسائل الإعلام التي تبث دون انقطاع، بنشر الأخبار المتعاقبة دون السعي، في الغالب، إلى الربط فيما بينها. والواقع أنه ليس هناك، مبدئيا، رابط بين التطور المثير لتكنولوجيا الـ”blockchain” (وهي تقنية رائدة تستعمل في المعاملات المالية والتجارية)، ونزاع السيادة في كتالونيا، وقضية “فينشتين” (المنتج الأمريكي الكبير المتهم بالتحرش بعشرات الممثلات)، والانتخابات في كل من النمسا والتشيك، وأزمة كوريا، والمحاولة الكردية للاستقلال، والتجديد للرئيس “تشي جيبينغ” على رأس الصين، وكل القضايا الأخرى التي هيمنت على عناوين كل صحف العالم، أو على الأقل تلك التي لا تركز بشكل كلي على رهاناتها الوطنية، أو تلك التي لا تخضع كليا لرقابة تحرص على متابعة الشاذة والفادة.
والحال أن كل وسائل الإعلام، بما فيها تلك الأقل حرية، تخضع للمنطق ذاته، ويمكن فهمها واستيعابها بناء على القراءة نفسها التي تمنح العالم معنى، وتستحق على الأقل تجريبها باستمرار.
وتقوم كل هذه الأخبار على التوجه نفسه وتفضي إلى ردود الأفعال ذاتها. فمن جهة، هناك توجه نحو مزيد من الاستقلالية للأفراد، والاحترام الواجب لهم، ما يؤدي إلى إضعاف الدول في ظل عولمة تنزع كثيرا نحو الفردانية، عولمة يكون فيها كل واحد سيد مصيره. ومن جهة أخرى، نتابع، على العكس، توترا هوياتيا، على سبيل رد فعل في نفس قوة الحركة التي أنتجته: تنهض الشعبوية السلطوية للوقوف في وجه نوع من التنميط الفوضوي (uniformisation)، بما أن ديكتاتورية السوق ليست في نهاية المطاف سوى الوجه الآخر للفردانية المفرطة في التحرر.
ولنا النموذج في قضيتين، لا يجمع بينهما أي رابط ظاهري، إذ احتلتا عناوين الصحف في الأيام الأخيرة. أولا، الـ”blockchain”، هذه التكنولوجيا الخاصة بتأمين المعاملات المالية والتجارية، صارت قوية لدرجة تسمح بإنشاء عملات بدون الحاجة إلى بنك مركزي، ومنها عملة الـ”بيتكون”(bitcoin) التي حطمت (الأسبوع الماضي) كل الأسعار. وهي تساهم، أكثر من أي شيء آخر، في تدمير قوة الدولة ووظيفتها كحامية للأكثر ضعفا. إنها ترسم ملاحم عالم تعمه الحرية المطلقة والاستقلال الذاتي، حيث يستحق كل واحد الاحترام والتقدير، وترسم، كذلك، عالما تغمره الوحدة، وتنفرط فيه كل أنماط التضامن، بما فيها تلك التي تنظمها عملة ما يشترك فيها الناس الذين يعيشون على مجال ترابي معين. مع الـ”bitcoin”، المشتقات الأخرى لـ”blockchain” يبدو أن الغلبة للترحال، في أشكال الأكثر تطرفا.
في رد فعل (على كل هذا) تدافع الأراضي عن نفسها. فليس مقبولا البتة، بالنسبة إليها، التفريط في مصيرها. بل على العكس تماما، فقد حان الوقت لاسترجاعه، لانتزاعه: هذا ما يجري في كتالونيا، وكردستان؛ هذا ما يلوح في النمسا والتشيك وإيطاليا، مع كل الاستفتاءات التي يجري إعدادها. وتندرج معركة الكتلان بالخصوص في هذه التوجه الذي سيصاحبه بلا شك توتر هوياتي. ويمكن أن تسخر التكنولوجيات لخدمة مثل هذه التطورات. هكذا فالمشروع الصيني الرامي إلى إقامة “مركز للمخاطر” لتفادي انزلاق المستهلكين إلى المديونية المفرطة، يمكن أن يوظف في أمور أخرى غير مراقبة المقترضين وغير تعزيز سلطات الرئيس “تشي جيبينغ”.
إذا كانت السوابق التاريخية تسعفنا في توقع ما سيحدث في المستقبل، فإننا نتجه صوب مواجهة عنيفة بين حرية الأفراد المختلطة بما تيسر من فوضى، من جهة، وديكتاتوريات السوق المشوبة بما تيسر من قومية من جهة أخرى. في المرحلة الأولى ستنتصر الديكتاتورية، ثم ستتواجه فيما بينها قبل الجنوح إلى حكمة الحكامة الدولية التي ستعمل على التوفيق بين حقوق الشعوب والأفراد. مازال بمقدورنا تجنب هذا الصدام، ومازلنا نتوفر على الوسائل التي تجعلنا نفكر في حكامة متزنة ومتسقة تجمع الأفضل في العالمين.
ترجمة مبارك مرابط
عن “ليكسبريس”

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي