على العكس من الفترة التي أعقبت 1997، أبانت الفترة ما بعد 2011، على أن إرساء الديمقراطية بالمغرب يقتضي استثمار جهود كل القوى الحية، بما فيها تلك التي قد يَنظر إليها طرف في التحالف المفترض من أجل الديمقراطية – من ثقب منظاره الإيديولوجي- بأنها غير ديمقراطية تماما.
هذا الوعي بتشكيل تحالفات سياسية فوق إيديولوجية، وعت به الدولة وأحزابها، أكثر من القوى الديمقراطية، ففي لحظة 2011، ولمواجهة البيجيدي، أو بالأحرى لمواجهة تطلعات 20 فبراير نحو التغيير، تم تجميع ثمانية أحزاب ليبرالية واشتراكية وإسلامية في تجمع « جي 8 ». فيما كانت أحزاب الكتلة الديمقراطية تعيش أزهى أيام تفككها، حتى إن أكثر طرف ظل ينادي بإحياء الكتلة هو العدالة والتنمية، الذي يوجد خارجها.
لقد أظهرت لحظة 2011 كيف أن الشارع، الذي كان يهدر بشعارات الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية ويطالب برأس الفساد، لم يكن إيديولوجيا بالمرة، حتى أن شبابا إسلاميين ويساريين من حركة 20 فبراير أطلقوا صفحة على الفايسبوك اسمها « كاماراخ »، وهي تجميع لكلمتي « كمراد » و »أخ ».
الفترة ما بعد 1997، التي حملت حكومة التناوب، ومعها آمال الانتقال الديمقراطي، كانت في بدايتها، أيضا، غير إيديولوجية، فالكتلة الديمقراطية جمعت الشيوعيين التقليديين باليسار الجديد مع الاشتراكيين الديمقراطيين والسلفيين الوطنيين، على قاعدة النضال الديمقراطي. وقد كانت الكتلة حينها أكثر تماسكا من دولة « السكتة القلبية »، غير أنها دخلت في صراعات مع بعضها البعض، كما حدث بين حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي في الفترة ما قبل 2002، وما حدث داخل الاتحاد الاشتراكي نفسه قبيل 2001، حيث لم يجد محمد الكحص، المحسوب حينها على تيار اليازغي، حرجا في القول لمحمد حفيظ، القريب من اليوسفي والفقيه البصري والأموي: « الاتحاد الاشتراكي لن يستوعبنا معا، وعلى تيار واحد أن ينسحب منه. إما أنتم أو نحن ».
لقد كان الكحص يعتقد بأن دورة الانتقال الديمقراطي اكتملت، و »المخزن مات » بتعبير اليازغي، وبالتالي، فلا معنى لاستمرار جبهة القوميين والاشتراكيين الديمقراطيين والماركسيين والمثقفين الليبراليين والمقاومين والسلفيين، داخل الاتحاد الاشتراكي، وأن الحزب يلزمه انفجار يؤدي به إلى وضوح في الإيديولوجيا وانسجام في الرؤيا والبرنامج. وقد قال لي، مؤخرا، محمد الطالبي، الذي كان أحد مؤسسي التيار الحداثي الديمقراطي، إلى جانب الكحص: « لقد أخطأنا في تقدير المرحلة. النضال الديمقراطي في المغرب كان ومازال يحتاج إلى كل الديمقراطيين بمختلف حساسياتهم وإيديولوجياتهم ».
هذا الأمر عبر عنه عبدالإله بنكيران، في الفترة ما قبل أكتوبر 2016 عندما أحس أن حزب العدالة والتنمية لا يمكنه أن يواصل مسار توسيع الهامش الديمقراطي، دون التحول من حزب الإخوان المسلمين إلى حزب المغاربة الديمقراطيين، لذلك قدم عرضا، وإن كان محتشما وغير قابل للتحقق ليساريين وديمقراطيين غير إسلاميين، للترشح باسم البيجيدي في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
الآن، وبعد فشل محطتي 1997 و2011 في بلوغ الديمقراطية، يعج المغرب بديناميات شبابية منفلتة من كل أشكال التنظيم، ومتجاهلة للإيديولوجيتين الرئيسيتين، اليسارية والإسلامية. رافضة أن يمر الطريق إلى العدالة والحرية عبر الأحزاب السياسية، بما فيها الراديكالية التي بقيت على هامش الحكم. فكل الأحزاب بالنسبة إلى جيل ما بعد 20 فبراير، تدخل في خانة « الدكاكين السياسية ».
هل يمكن أن نقول إننا، وبعد فشل محطة 7 أكتوبر 2016، أصبحنا أمام جيل يشكل خطرا على الديمقراطية؟ ربما نعم. هل يمكن أن نأمل في انبثاق « بوديموس » مغربي من هذا الجمود السياسي والغضب الشبابي الذي يشبه بركانا نشطا، خصوصا بعد العفو المرتقب على شباب الحراك؟ من غير الوارد، فالدولة عادت للتحكم في الأحزاب وتوسيع هامش السلطوية، وأي تنظيم جديد سيصطدم رأسه بسقف السلطة الواطئ، ولن يكون أمامه سوى أن ينبطح أو يتطرف في الكفر بالديمقراطية والعملية السياسية.
إن نقاشا غير مشروط، موسعا وبنفس طويل، بين سياسيين غير حلقيين، وفاعلين مدنيين جادين، وديناميات شبابية غير منظمة، تحت شعار من أجل إعادة الاعتبار للسياسة كفعل نبيل وجاد، هو ما يمكن أن يفرز تنظيما حزبيا أو تحالفا سياسيا يكون باستطاعته انتزاع السلطة من السلطوية، دون الدخول في صراع تناحري مع الدولة، ودون الانبطاح لها أيضا.