هل ترهن القفة استقرار المغرب؟

26 نوفمبر 2017 - 17:21

منذ الأحداث الإرهابية التي ضربت الدار البيضاء في 2003، إثر خروج منفذيها من كاريان طوما الصفيحي بالبيضاء، انتبهت الدولة إلى خطر أحزمة الفقر في المدن والهوامش، ووضعت سياسة لمحاربته من خلال إطلاق مبادرة التنمية البشرية.

تمت تعبئة ميزانيات ضخمة لهذا الغرض منذ 2005 إلى 2015، تجاوزت 27 مليار درهم، وبذلت جهودا في محاربة السكن الصفيحي، وتمويل المشاريع المدرة للدخل، وأثمرت الجهود تقليصا ملحوظا للفقر. فحسب مصدر حكومي، فإن عدد الفقراء في المغرب كان يصل إلى 12 مليون فقير، ومكنت السياسات المتعاقبة لمحاربته من التقليص منه إلى 4 ملايين فقير اليوم. لكن المفارقة أن معظم هؤلاء الفقراء اليوم، يتمركزون في العالم القروي.

هذا، وحسب آخر معطيات المندوبية السامية للتخطيط، يوجد في المغرب اليوم 4 ملايين فقير، يتمركزون، أساسا، في البوادي وداخل جهات معينة دون أخرى. هؤلاء يتوزعون بين مجموعتين مختلفتين، الأولى تضم الفقراء من الناحية النقدية، أي ممن يتلقون دخلا ماديا هزيلا، وهؤلاء يفوق عددهم المليون ونصف مليون مغربي. أما المجموعة الثانية، التي تضم فقراء بفعل مستوى الخدمات العمومية والبنيات المحيطة بهم، فيبلغ عددهم نحو مليوني و800 ألف مغربي. وبين الفئتين يوجد نصف مليون مغربي ممن يجمعون بين نوعي الفقر، أي الذين يتوفرون على دخل مالي هزيل أو منعدم، وتحرمهم الدولة والجماعات من الخدمات والبنيات الأساسية لمباشرة الحياة اليومية في حدودها الدنيا، بفعل سوء التدبير والتوزيع غير العادل للموارد العمومية. هذه الوضعية تسائل سياسة الحكومة التي رصدت الملايير، فيما لازال الفقر منتشرا في البوادي.

في تقييم للمرصد الوطني للتنمية البشرية للبرنامج الأول، للمبادرة 2005-2010، وأثره على ساكنة العالم القروي، يسجل أن “توزيع موارد المبادرة لفائدة الساكنة لم يرتبط ارتباطا إيجابيا مع معيار الفقر”، ويسجل أن “النفقات الخاصة ببرنامج مكافحة الفقر في المناطق القروية كانت أقل مما كان متوقعا بنسبة 20.4 في المائة. كما انتقد المرصد في تقرير له صدر سنة 2013، مشاريع المبادرة، معتبرا أن “الأداء الضعيف لمبادرة التنمية البشرية يتعلق بكون المشاريع التي أطلقتها ليست مصممة بطريقة تضمن زيادة في دخل الساكنة الأكثر فقرا”. وفيما حاول البرنامج الثاني تدارك النقص في معالجة مشاكل القروي لوحظ أنه تم التركيز على مشاريع البنية التحتية، من حيث الطرق والكهرباء والماء، والتي تحققت فيه جهود مقدرة، لكن بخصوص تنمية الدخل لدى الساكنة القروية، فإنه لم يعرف تطورا.

أحد جوانب القصور الأخرى في المبادرة، هو جانبها السياسي الذي سبق لمركز جاك بيرك للعلوم الإنسانية والاجتماعية، أن نشر دراسة علمية حول المبادرة للباحث مصطفى المناصفي، إحدى خلاصاتها تقول: “إنه فيما مكّنت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من إدخال شريحة واسعة من النساء والشباب إلى حقل الفعل والمشاركة، فإن المفعول السياسي لهذا الإشراك كان مزيدا من إبعاد هؤلاء المشاركين عن السياسة والانتماء الحزبي. لقد جرى إبعاد المجتمع المدني عن أدواره السياسية والرقابية والنقدية للسلطة”. وتضيف الدراسة ذاتها أن “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منحت الأجهزة الترابية المركزية للدولة مشروعية جديدة، نظرا إلى كون المبادرة خاضعة لتدبير مركزي صارم، يتولى تنزيله محليا الولاة والعمال وباقي رجال السلطة، فيما باتت الجمعيات المستفيدة من  (indh) تنحو نحو التقنوقراطية والابتعاد عن الشأن السياسي، بل إن العديد منها كانت قبل المبادرة تتخصص في تنظيم أنشطة إشعاعية وسياسية وثقافية، وأخرى احتجاجية ونقدية تجاه الدولة، فباتت تكتفي بإنجاز المشاريع وتلقي الدعم من المخزن”.

وفيما يبدو أن مبادرة التنمية البشرية انتقلت إلى مرحلة أخرى، أطلقت الحكومة مبادرة جديدة، تركز أساسا هذه المرة على العالم القروي، من خلال صندوق التنمية القروية الذي خصصت له ميزانية 50 مليار درهم، على مدى 7 سنوات، والذي أسند إلى وزير الفلاحة عزيز أخنوش.

وفي هذا الإطار تمت تعبئة تمويلات من عدة أطراف، إذ ساهمت المجالس الجهوية بـ 20 مليار درهم، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بـ4.1 مليار درهم، و10.5 ملايير درهم من صندوق التنمية القروية، و1 مليار درهم من وزارة الفلاحة، و8 ملايير درهم من وزارة التجهيز،  و1.3 مليار درهم من وزارة الصحة، و2.77 مليار درهم من وزارة التربية الوطنية، و2.56 مليار درهم من المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.

فضلا عن ذلك تم إعداد برامج جهوية لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية ويشمل عموما، في سنة 2017، إصلاح وبناء 2850 كلم من الطرق والمسالك القروية، والمنشآت الفنية بـ2.75 مليار درهم، وتزويد بالماء لفائدة 330 دوارا في 49 جماعة قروية في 12 إقليم، بـ55 مليون درهم، وربط الكهرباء بـ47 دوارا في 12 جماعة قروية بـ95 مليون درهم، إضافة إلى إعادة تأهيل مؤسسات التعليم على مستوى 340 جماعة قروية موزعة على 48 إقليم بـ435 مليون درهم. وإعادة تأهيل مراكز الصحة في 208 جماعة قروية بـ160 مليون درهم.

ورغم هذه الجهود المبذولة، فإن الأوضاع تنفجر بين الفينة والأخرى في الوسط القروي، تارة من أجل المطالبة بالماء، وتارة أخرى طلبا للمساعدات، وكان من آثارها الأخيرة فاجعة وفاة 15 امرأة في إقليم الصويرة. وفي هذا الصدد يقول الباحث الاقتصادي إدريس الفينة، إنه مهما كانت جهود الدولة كبيرة، فإن “الحل يكمن في الاستهداف المباشر للأسر”، وهو ما وعدت به الحكومة من خلال إعلان اشتغالها على سجل للدعم.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.