المحكمة الدستورية والبروتوكول

28/11/2017 - 12:37
المحكمة الدستورية والبروتوكول

عندما نص دستور 2011 على المحكمة الدستورية في مقتضياته من الفصل 129 إلى 134، اعتبرنا أن هذا الاختيار خطوة إيجابية وجبارة نحو دولة القانون، بل منذ البداية الأولى للمحكمة الدستورية حتى وهي في حلة المجلس الدستوري، واكبنا قراءة أحكامها بكل إمعان، كما اطلعنا على طبيعة مواقفها الدستورية والقانونية، خاصة وأن الكثير من السياسيين لم يفهموا بعد المغزى الدستوري والسياسي لهذه المؤسسة، فيتعاملون مع قراراتها بمنطق الربح والخسارة الضيقة للقرارات وللقضايا.
فالمحكمة الدستورية عندما ترفض طعنا معينا أو تقبله، فإن هؤلاء السياسيين يختزلون كل النقاش القانوني والدستوري وحتى السياسي موضوع الدعوى، في حدود منطوق القرار، أي في الرفض أو القبول، دون إدراك تفاصيل الحيثيات ومناقشتها، والتي هي هدف كل طعن يتوخاه المهتم السياسي والدستوري، وليس اختزال النتيجة في الكلمات الأخيرة لمنطوق القرار.
فالمهم ليس أن ترفض أو تقبل المحكمة الدستورية طعنا معينا، بل الأهم هو مضمون تعليل رفضها أو حيثيات قبولها، باعتبارها الجهة التي تحسم النقاش في الخلافات الدستورية، وفي الملاءمة بين القوانين والنص الدستوري.
ويبدو أننا نحتاج إلى وقت طويل، ليفهم السياسيون والمسيرون أن التوجه نحو المحكمة الدستورية لا يستهدف منه خلق معركة مع هذه الجهة أو تلك، أو حتى انتصارا شخصيا على هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما يستهدف – خاصة في القضايا الدستورية الخلافية – خلق مواقف وطنية مؤسساتية موحدة حول أسمى نص ينظم حياتنا السياسية والقانونية ألا وهو الدستور.
والحقيقة أن هذا التصور السلبي العام حول علاقة السياسي بالمحكمة الدستورية، سنكتشفه حتى على مستوى البروتوكول، والذي من المفروض ضرورة تموقع السيد رئيس المحكمة الدستورية مباشرة بعد رؤساء السلطات الثلاث، ذلك أن هذه السلطات الأخيرة تعتبر أعمدة الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، بينما تعلو المحكمة الدستورية في قراراتها على الجميع، ولها مكانة وأدوار ذات أهمية قصوى دستوريا، إذ لها حق البت في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية (الفصل 55)، وهي الجهاز الذي ينظر في صحة انتخاب أعضاء البرلمان وعمليات الاستفتاء (الفصل 132).
بل إن لرئيس المحكمة الدستورية مكانة خاصة وصلاحيات واسعة في دستور 2011، إذ يعتبر هو رئيس مجلس الوصاية (الفصل 44)، كما أنه يُستشار من طرف جلالة الملك في موضوع حالة الاستثناء (الفصل 59)، كما أن جلالة الملك يستشير رئيس المحكمة الدستورية عند حل أحد المجلسين أو هما معا (الفصل 96)، ويستشار من طرف جلالة الملك، كذلك، قبل عرض ظهير مراجعة بعض مقتضيات الدستور على البرلمان (الفصل 174)، وغيرها من الصلاحيات الدستورية المهمة التي يتمتع بها رئيس المحكمة الدستورية.
لذلك فلرئيس المحكمة الدستورية دور مؤسساتي من مستوى عال جدا، يجب أن ينعكس على وضعه البروتوكولي، فلا يعقل أن يأتي بعد الوزراء أو بين أعضاء رؤساء مؤسسات الحكامة، لأن ذلك لا يليق برئيس مؤسسة دستورية من هذا الحجم، وما يؤكد ذلك أن (الفصل 55 ) من الدستور الذي يعطي لجلالته إعلان حالة الاستثناء، فإنه يقوم باستشارات دقيقة في الدستور بتراتبية منصوص عليها في النص تبدأ برئيس الحكومة، ثم رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، وبعدهم مباشرة رئيس المحكمة الدستورية. لذلك يمكن الاستناد على (الفصل 55) من الدستور لإعطاء الرتبة البروتوكولية المناسبة لرئيس المحكمة الدستورية، والتي يجب أن تكون لها دلالة دستورية على حجم هذه المؤسسة، وعلى طبيعتها ومكانتها الدستورية بغض النظر عن شخص رئيسها وقضاتها، فحديثنا عن هذه المؤسسة، هو اهتمامنا بالجهاز وليس بالأشخاص، لأن الجهاز هو الديمومة، وأما الأشخاص فهم المؤقت.
وعليه، يجب أن نعيد الاعتبار لهذه المؤسسة ونمتعها بموقعها الطبيعي المتقدم، لأن البروتوكول ليس مجرد نظام اصطفاف فحسب، ولكنه تلك الدلالة الرمزية على أهمية المؤسسة وحجمها السياسي ومكانتها الدستورية.

شارك المقال