الجملة الأولى أطلقتها الأم العازبة التي تعاني من أثر حروق في الجانب الأيمن من وجهها: « لم يسبق لأي رجل دخل إلى بيتنا إلا وشتمنا وسبنا أو اغتصابنا ». بعد ساعتين من ذلك، جاءت آخر الكلمات على لسان أم عازبة أخرى، أكثر شبابا، ذات يدين جافتين بسبب تأثير مسحوق التبييض الذي تستعمله في تنظيف المطعم الذي بدأت تشتغل فيه للتو، وفي هذا تقول بحرقة: « أنا فقط أريد أن ينظر الناس إلي بقدر من الاحترام عندما أتحدث إليهم ».
ذنب الأم العازبة
في ركن بالأزقة الضيقة التي تؤدي إلى قلب القصبة بطنجة، يوجد مبنى يتكون من ثلاث طبقات تقطنه 13 امرأة وأطفالهن، اللواتي يعانين بشكل دائم من الرفض الاجتماعي والعائلي. ذنبهن الوحيد في عيون سكان الحي هو أنهن أمهات عازبات. بيت محاصر بالنسيان، حيث تغيب الحكايات والنهايات السعيدة. مأوى أبيض من الخارج، وقليل الإضاءة في الداخل، حيث يدخل فقط أطفال ونساء يعشن الجحيم في مجتمع ذكوري بسبب ذنب لم يرتكبنه.
أمينة (اسم مستعار) تبلغ من العمر 38 عاما، لديها طفلين صغيرين، وهي من بين النساء القليلات التي يعشن في هذا المبنى ولا يعرفن القراءة والكتابة. ابنها البكر رأى النور بعد تسعة أشهر من اغتصابها من قبل رجل في زنقة ضيقة. لهذا طردتها أسرتها من البيت. بعد سنة من ذلك، دخلت في علاقة غرامية مع شاب قبل أن يهجرها عندما أخبرته بأنها حامل منه. « لأكون معك صريحة، نحن في المغرب لدينا خياران: الاشتغال كعاملات نظافة مقابل لاشيء تقريبا، أو التعاطي للدعارة بمقابل أكثر بقليل من ذلك الذي نحصل عليه في التنظيف ». لهذا، العادي هو أن نراهن على الخيار الثاني »، تقول أمنة.
لعنة « غير شرعي »
لازال العنف الجسدي والجنسي واللفظي يمارس في المغرب في الشارع والبيت، وفي بعض الأحايين دون عقاب. فحتى القانون يجرم العلاقات الجنسية خارج الزواج، خاصة عندما يتعلق الأمر باغتصاب، هذا، دون الحديث عن الوضع الصعب للفتاة التي تجد نفسها حاملا بعد علاقة جنسية « غير شرعية ». وحتى الإجهاض السري والزواج القسري (في بعض الأحيان مع من اغتصبهن)، والتخلي عن الأبناء، كلها أشياء تحدث يوميا في المغرب.
الدولة تركت حماية النساء في يدي المنظمات الإنسانية، على الرغم من أنه مؤخرا أحدثت الإدارة مناصب مساعدات اجتماعيات من أجل تقديم العون والدعم، للنساء اللواتي يعانين من سوء المعاملة. « هناك الكثير من الكلشيهات والصور النمطية التي تتميز بها المجتمعات الأبوية، شيئا فشيئا نتقدم في الكثير من القضايا المرتبطة بالعنف ضد النساء، لكن المشكل يكمن في المجتمع والتربية والمدرسة وحتى في الشرطة التي تتلقى شكاوى النساء. لدينا الكثير من المشاكل التي يتوجب محاربتها في هذا المجال، لهذا يجب أن نمضي قدما نحو محاربة العنف ضد النساء »، تؤكد غزلان المعموري، عضو في حزب التقدم والاشتراكية في طنجة، لذي يعد من الأحزاب الستة التي تتواجد في الحكومة الحالية.
في الحقيقة لا يوجد في المملكة الشريفة الآن قانون خاص ضد تعنيف النساء. هناك قانون مشروع صوغ منذ 2013، لكنه لازال يراوح مكانه رغم ضغط الجمعيات الحقوقية من أجل المصادقة عليه وتنزيله على أرض الواقع. كما أنه لا توجد أرقام مؤكدة لمعرفة حجم هذا العنف في المملكة. فقط يتم التحدث في صمت عن تقارير قديمة تشير إلى أن اثنتين من كل ثلاث مغربيات عانين من العنف الجسدي أو اللفظي.
وشم لا ينسى
كان علينا من الضروري زيارة المبنى الذي تعيش فيه هذه الأمهات العازبات في طنجة. حقا هو مكان استثنائي، لأنه في تلك المنطقة لا توجد أي جمعية لمساعدة النساء على عكس ما هو عليه الأمر في مركز طنجة. وتكتفي هذه النساء بالاعتناء وحماية أنفسهن بأنفسهن.
نادية لها طفلتين لم تتجاوزا بعد س
ن العاشرة من العمر. هجر أب الطفلة البكر وتركها وحيدة، فيما لا تعرف من هو الأب الحقيقي للثانية. « في الشارع يصفونني بالعاهرة ويريدون اغتصابي، فيما بعض النساء يعتقدن أنهن أفضل مني، حيث لا ينظرن ولا يتكلمن معي في السوق »، تحكي نادية بألم. أم عازبة أخرى تعاني من مشكل في المشي، بعد أن تعرضت للضرب على يد رجلين في إحدى الليالي، تؤكد قائلة: « عندما لا نكون متزوجات، يعتقد الرجال أن لديهم الحق في فعل ما يشاءون بنا ».
توجد في طنجة العديد من الجمعيات التي تحمي هذا النوع من النساء، مثل جمعية « 100%Mamans »، التي تأوي في دار تابعة لها أمهات عازبات، وتقدم لهن الاستشارة القانونية، كما تساعدهن في الحصول على مقعد لأطفالهن في الحضانة. وعلى غرار هذه الجمعية، فإن الدير الفرنسيسكاني القديم بطنجة، يضم حضانة تقدم المساعدة لأطفال الأمهات العازبات، وهو مشروع انطلق منذ 30 عاما. « نقدم المساعدة لـ110 طفل، عندما نستقبل طلبات الاستفادة نعطي الأولوية للأمهات العازبات والأسر الضعيفة »، تحكي الراهبة ميرسديس سيغارا، مسؤولة في الديرـ وتضيف قائلة: « نقوم بمجهود كبير مع هؤلاء الأمهات. أطفالهن غير مرئيين في الكثير من المرات، لا يوجدون في نظر القانون، إذ ليس لديهم حتى الحالة المدنية. وأمهاتهم عانين من سوء المعاملة والدعارة، لهذا نحاول دعمهن أيضا ». القائمات على هذا الدير يقدمن المساعدة، كذلك، لقاصرات مغربيات ضحايا سوء المعاملة والتخلي والاستغلال الجنسي.
أمينة، واحدة من الأمهات العازبات اللواتي يعشن في هذا المبنى الطنجوي، طلبت عدم التقاط أي صورة لها، لأنها خائفة من أن يستهدفوها، ولما سألناها ممن هي خائفة، ردت قائلة: « الجميع ».
بتصرف عن إلموندو
نحو 9.8 ملايين من النساء المغربيات يعانين من مختلف أشكال العنف. جزء كبير منهن يعانين من العنف المساس بحريتهن الفردية والعنف الجنسي والجسدي، حسب تقرير صدر حديثا عن الأمم المتحدة.
التقرير أبرز أن نحو 1.4 مليون من المغربيات معنيات بالعنف الجسدي، أي أنهن يشكلن 15 في المائة من المعنفات، فيما تعاني 827000 مغربية من العنف الجنسي، أي 7.8 في المائة من المعنفات، بينما تواجه 4.6 مليون مغربية العنف النفسي، أي إنهن يمثلن 48 في المائة من المعنفات، في الوقت الذي تعاني فيه 3 ملايين مغربية من عنف المساس بالحريات الفردية، أي نسبة 31 في المائة، فيما يبلغ عدد اللواتي يواجهن العنف الاقتصادي 181 ألف مغربية، أي 2.8 في المائة من المعنفات.