قراءة مختصرة في رواية الأَفْرُو-أمريكي

27 سبتمبر 2022 - 17:38

هذه الرواية/الملحمة، تتألف، بالإضافة إلى الإهداء، من تسعة فواصل، كما أسماها مُؤَلِّفُها، وهي عبارة عن مَشاهد، لكن، لكل مشهد من هذه المشاهد مَناظِرُ متعدِّدَةٌ، وأحداثٌ متشابكةٌ متكاثفةٌ، تتناسقُ مرةً، وتتباينُ في أخرى، تأتلِف مرة، وتتنافر في أخرى، تتضاربُ مرة، وتتوحد في أخرى، بين مَدٍّ وجَزْرٍ، وتَغُورُ حيناً وتطفو في أخرى… ومعنى هذا، أنَّ الروايَةَ شاملةٌ، جامعةٌ بين أنماط مختلفة من السرديات، تتأرجح بين أدب الرِّحْلَةِ وأدب السيرة، والرواية. وعليه، فعنوان الرواية صادمٌ مُسْتَفِزٌّ، مما يجعل القارئَ في حيرةٍ من أمرِه من هذا الأفرو-أمريكي، الذي أثخن المؤلفُ في التنقيب عن شخصيته.
إنه الأزمُّوري / البِّينْسَكُولاَيِي، أو الدُّكَّالِي / الْفْلُورِيدِي، أو السي مصطفى الأزمُّوري، أو استِبانيكو، أو صُرْدُوكِ دُكَّالَة، أو الرجل الإفريقي، الذي وطِئَتْ قَدَماهُ الحافيتان ترابَ القارَّة الأمريكية، تُرْبَةِ العالَم الجديد، في قرنٍ، {1528م} كانت الرِّحْلَةُ فيه ضرْباً من المغامرة والموت المحقق، والنجاة من أهوال المسالك والممالك ضربا من الخيال. فهو أسطورة حقيقة، أبهرت كثيرا من الباحثين، والمهتمين، والمؤرخين، والأنثروبُّولوجيِّين، فراحوا يتصيَّدون أخبارَه من هنا وهناك، ويزيدون، ويؤلفون، وينسبون، كُلٌّ حسب هواه، وتخيُّلاتِه. ولعل استاذَنا، السي عبد العزيز ايت بنصالح، استطاع، بحنكة الناقد الذكي، والباحث الفاحص والمُمَحِّص، وخبرة الروائي المبدع، أن يضع حدا لبعض هذه التجاوزات العلمية، والفنية، والتاريخية، بالربط بين الميثاقين الأساسَيْن في السيرة والرِّحلة، الميثاق المرجِعي والميثاق النوعي، في تناغم وتناسق، ولياقة، ورشاقة، وأناقة، من حيث الأسلوبُ الساحرُ الجميلُ، والرؤى العميقة. والأستاذ، مشكوراً، على إنصافِه لهذه المدينة الصغيرة، الجميلة، الهادئة من خلال تتبُّعِه للنقَطِ المضيئة في حياة امصطيفى، البطلِ الخارق، والشيطان المارق، كما كان يراه بعضهم، هناك، في أراضي كريستوف كُولُمْبُسْ.
وفي فقرة الإهداء، مَتَحَ الكاتب من بحر الشاعر جرير، في خطابٍ راقٍ، بْلُغَةٍ راقيةٍ عالمةٍ، تجمع بين الحقيقة والانزياح، بين المتخيَّل والواقع، بين بساطة اللغة الواصفة ومَتانَتِها، فكأنها أمواجٌ تتلاطم مرةً في صعود وسموٍّ، وفي أخرى في زَجْرٍ وانخِفاضٍ، تربط جهةً مقصودة، ومدينة مقصودة، وقبيلة مقصودة، وولاية تَوْأَمٌ، ولاية فلوريدا، بالولايات المتحدة الأمريكية، ومدينة أزمور المغربية الأفريقية، والتي بعثت ببرقية بشرية من الشرق إلى الغرب، بين ضفتي المحيط الأطلسي: شخصية إستبانيكو، مصطفى بن حدو الأزموري، الرائد المفقود في خِضَمِّ الزُّنوج والهنود الحمر. وقد طبع لغة الرواية ذلك الحوارُ الداخلي المُتَّزِنُ، حيث البلاغةُ تغمُر أحداث الرواية وعرضها في انزياح أنيق، ينمُّ عن ثقافة المرسِل/الباثِّ، وعن رسالته ومَقَاصِدِهِ النافذة، والخيطِ الناظم بين سائر مكونات النص الروائي.
إلا أن عنونةَ الفواصل، أو المشاهد، حالت دون التسلسل الذهني للمتلقي، وكأن الروايةَ ستبدأ من جديد، (وهذا رأيي الخاص)، إذ أرى أن المؤلف، أو الروائي، أو الراوي، أو السارد، قد حاول إشراكَ المتلقِّي المُحتَمَل، وعن طريق العناوين، إشراكَهُ معه في نشج الرواية وأحداثها، وتِلْكَ تَقَنِيَّةٌ، تتزلَّف للمستقبل، وتسهل له عملية تقسيم الرواية إلى مواقفَ يُمكن أن يستريح بين فواصلها، والأوْلَى، أن يُحِسَّ المتلقي بتعب المتابعة والتسلسل حتى النهاية، فيشعرَ بِما يشعرُ به المتفاني في إدراك المَغْزَى بعد جُهْدٍ جهيدٍ. وهذا قد شوَّش عليَّ الربطَ بين الفواصل، لأنَّ الرواية بَدَتْ متصلةَ الأبعادِ، في غِنىً عن عناوين تقريبية. كما أن عمق الرؤى من خلال مَقَاصِدِهَا المتعددة، حمَّلت الروايةَ أجملَ الأحلام، وسبحت بنا في فضاءاتٍ بين الخيال والواقع.
ففي المشهد الأول، لوحةٌ بَانُورَامِيَّةٌ وعميقة لمدينة تتباهى بتواضعها، حيث تمنح الفرصة لزائرها كي يكتشفَ سِحرَها جمالَها، فيتمتَّعَ به: ماءٌ وخضرةٌ ووجهٌ حسنُ، وزينةُ الملبَس والمأكل ولباقةُ الحديث، والبداهةُ في الخِطاب، فنرى أنَّ البطلَ استشعرَ تَرَبُّصَ البرتغال بالمدينة، في محاولة لاستتباب الأمر لهم فيها، فكانت رؤيتُه ثاقبةً لِمَا يُخَطِّطُ له الغُزاةُ في حَسْرَةٍ وتأثُّرٍ. إلا أننا نجد معطياتِ الحكي متوفرةً بحدةٍ، حيث تترابطُ عناصر المتن الحكائي السردي، وعناصر السرد، فيتعاضد الأسلوب السردي بالأحداث، وبالشخوص، وبطريقة عرض هذه الأحداث، في زخم مُتَتَالٍ، يربط النسق الغني للرواية. فلغة الرواية عالمة أكاديمية، وشعبية في آنٍ، رصينةٌ ومتينةٌ في جل الأحيان، ومبسَّطَةٌ في حالاتٍ تستوجب البساطةَ والسهولة.
فتوظيف الحوارات المتعددة، بين الشخوص المتعددة، يَسَّرَ لنا إدراكَ شخصية البطلِ (الصُّرْدُوكِ)، وانبهار الشخصيات الأخرى المحاورة لها، بما ينبعث من خلالها من تصرفات وأفكار، تنفي عنها صفةَ العُبوديةِ والرِّقِ، تسمو بها إلى مصاف المفكِّر العالِم بخبايا النفس البشرية، خاصة في العصر الوسيط. لِذا، يمكن اعتبار سي مصطفى، بن حدو، شخصية مهيمنة، مسيطرة بآرائها المتنورة، والسابقة لزمانها، وهنا تبرز فنِّيَّةُ الروائي في المزج بين الميثاقيْن الأساسيْن في الحكي. فقد قصد الكاتب إلى توظيف بعض الأحداث التاريخية الحقيقية، في قالَبٍ فنيٍّ راقٍ ورائقٍ، وإسنادِها إلى الأبطال حسب أهميتِها، وحسب تراتبيَّتِها في المتن الحكائي.
وفي حنايا المؤلف أمثلة حوارية بين شخصيات، استدعاها المؤلف، كأداةٍ نافذة إلى أعماق المتلقي، فيتأثر بما يسمع من حوار، بعد قراءته، وبما يُعْرَضُ عليه من الأحداث المتسارعة، والعبارات، والجمل القاصفة. وعلى الرغم من أن طول نفَس الرواية يحتم عليَّ أن لا أجتَزِئَهَا، لأنَّ هذا الاِجتزاء، أو هذا الفعلَ التجزيئِيَّ يُعتبر تعَسُّفاً على النص السردي المتناسق (انظر صفحة الغلاف الأخيرة). وأستسمح على هذا التصرف النقدي لبلوغ الهدف من الرواية، وحتى يستسيغ المتلقي مقصدي من هذا التجزيء.
إنَّ الفاصل الأول/المشهد الأول، وحده، كافٍ للتعبير عن شخصية استِبانيكو، وعن غيرته، وروحه المقاوِمة للمستعمر، سلاحُه الوحيد هو الإيمان، وحب الوطن، وعن الأوضاع التي طبعت مدينة أزمور، في هذه الفترة العصيبة، من خِذْلانٍ، وأنانية بعض المتسلقين المتملقين، في خُبْثٍ، ونوايا ناسفة لكل ما هو جميل. أما في الفاصل الأخير، أو المشهد الأخير، والذي اعتبرته دَفَّةً جديدةً، تلاءمت في تناسق مع المشهد الأول، وكأننا أمام باب ذي مصراعين، نفتح مصراعا فَنُلْفِي فيه ما يسحرنا من قول وفعلٍ وحوارٍ، ثم ما نكاد نُغلقُه حتى ننبهر بمصراع آخر، لا يقل أهمية عن صِنْوِهِ الأوَّل، إلاَّ أنَّ ما أضفى عليه جَمالاً، هو استحضارُ الأُنثى ودورِها في الرواية، بربط الحاضر بالماضي، حياةِ الصُّردوك وعِشْقِه الأُنْثَوِي (والذي تُمَثِّلُه عائشة البحرية: الكُنْدِسَّةُ، التي ما يزال يلهث خلفها، طَمَعاً في الظَّفَرِ بِها…) فيسبَح به خيالُه بين عائشة الهندية، وعائشة الأزمُّورية. إلا أنَّ الأُنثى لا بد أن تبقى أُنثى، يستعصي على عائشةَ إدراكُها بسهولة ويسرٍ. ومن الحب ما قتل.
هذا هو البطل، الطبيب، الساحر، الحكيم، الإنسان…
فها هو يرى حشوداً من الحسناوات يخرجن من سبعة أبوابٍ، لِكُلِّ بابٍ حرفٌ يرمز إلى ذكاء المؤلف في اختيار الاسم المناسب لهذه اللحظات، المؤثِّرَة في حياة البطل، والذي ما يفتأ يسترجع ذكرياته من خلالِها، فيستحضر الأبواب السبعة لمدينة أزمور المغتصَبَة. فالباب الأوَّل رمزُ مِفتاحِه: حرف الدال (1)، والثاني رمز حرفِه الكاف (2)، والثالث رمز حرفِه الأِلِف (3)، والرابع رمز حرفِه اللام (4)، والخامس رمز حرفِه الياء (5)، والسادس رمز حرفِه الألِف (6)، والسابع رمز حرفِه التاء (7)، لتكون الحصيلة مفاجئة:
دكَّــــــــاليــــــات
ولعل لدلالة العدد (سبعة) رمزية في المحكي الشفاهي للمدينة، من أنها غرِقت سبع مرات، ثم انبعثت من جديد، كأنها عنقاءٌ ثارت من رمادها المخيِّم عليها، ثم دلالة سبعة آلاف حسناء يخرجن من كل باب، أو حكاية: (لالَّة بنت منصور، الخارجة من سْبَعْ قْصُورْ، والقَاطْعَةْ سْبَعْ بْحُورْ)، كل هذا يوحي، بأن الكاتبَ قضى فترة من عمره باحثا، مستقصيا أخبارَ وتاريخَ مدينة حسناء جميلة، استفزَّته بطهارتِها، عله يعتر على حقيقتها، وسِرِّ غِوايَتِها. فرواية المفاتيح السبعة للأبواب، والبعة آلاف من الحسناوات النابعات من كل باب، يحاولن ربطَ المَرَاقِ، عموديا وأفقياً، ربط الحاضر بالماضي، ربط الإنسانَ الإفريقيَّ القديمَ بالإنسان الأمريكي الجديد، بين الدكالي الأزمُّوري، والدكاليات اللواتي يخلدن في ذاكرته حتى آخر رَمَقٍ من العمر: إنه حب الوطن، والموطن، ومتعة الانتماء إليه:
زكم منزل يألفه الفتى *** وحنينُه أبدا لأوَّل منزِلِ
ما يُشبه الخلاصة
وعلى كُلٍّ، فرواية الأستاذ الجليل، عبدالعزيز ايت بنصالح، تستحق أن تُسْتَثْمَرَ كشريط سينمائي في مجال المغامرَة والاستكشاف، على نمطِ الأشرِطَة السينمائية الهوليودية، إذ وأنا أتتبع مَاجَرِيَاتِ الأحداثِ، ومغامرات البطل في الرواية، أشعر وكأنني أتابع بشَغَفٍ، وشوقٍ، وتأثُّرٍ شديدٍ أحداثَ شريطٍ سينمائيٍّ راقٍ وناجحٍ، يحمل من التوجس والانتظار ما يجعلُه موفَّقاً في الربط بين الموسيقى التصويرية، من حيث الهدوءُ، والصمتُ، والصَخَبُ، والهَرْجُ، والمَرْجُ، والفوضى، والخوفُ، والبُكاءُ والدُّمُوعُ، والفرَحُ، والعِشْقُ الأبَدِيُّ. والروايةُ، في حَدِّ ذاتِها، وطنٌ بين ساحليْن: حياة مليئةٌ بالمُغامرات، مغامرة الرحالة الأزموري النشأة والأصل، ورحالةُ مستكشفٍ متعدِّدِ الاختصاصات: عالم جامع مانع، يجد القارئ بينهما متعة استكشاف شخصية البطل الوحيد والأوحد: تاريخ أزمور المنسي.

*كتِب المقال من لدُن ناقد من أزمور:
د: أحمد صديق: أزمور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وظَّف ذو الوزارتين، صفة صردوك، في كتابه: “نُفَاضَةُ الجِرابِ في عُلالة الاغتِراب” بتحقيق الدكتور أحمد المختار عبادي، حيث سرد لسان الدين بن الخطيب أحداثَ رحلتِه بالمغرب، إبَّانَ فترة نفيِه من الأندلس إلى المغرب في ضيافة السلطان المريني، في ق8هـ.
أما معنى كلمة صردوك، فهي ذات الجدر الثلاثي: صَرَدَ، بمعنى أخطأ. وصرد عن الشيء: انصرف، وصرد (بالتضعيف) قلَّل. فيُقالُ: صرد العَطاءَ، قلَّلَه. والصرد: طائر أكبر من العصفور، ضخم الرأس والمِنقار، يصيد صغار الحشرات. وهو يُتَشَاءَمُ به.
أما في المعجم الوسيط، فقد ورد بالسين أيضاً، وهو من الجذر الثلاثي: سرد: وسرد الجلد، إذا ثقبه وخرزه. والسردوك، هو الديكُ باللسان الدارج. وقد ورد في المعاجم بالصاد والسين، وهو الديك.

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *