قراءة في مسرحية *الحصلة : لا هنا ...لا لهيه.*

18 أكتوبر 2022 - 10:58

بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل/ قطاع الثقافة وبشراكة مع مسرح ابن مسيك قدمت فرقة نسيج الفنون والثقافة ،عرضها ما قبل الاول بقاعة ابن مسيك يوم 13اكتوبر 2022 مسرحية *الحصلة* لا هنا ،،،ولا لهيه من إعداد وإخراج ربيع بن جحيل التدلاوي ،وتشخيص كل من عبد الله شيشة وجمال العبابسي وحسناء مومني ومجيد الكرون و ربيع بن جحيل وخلاف الإدريسي، سينوغرافيا محمد آمين ايت حمو ، موسيقى/ عزف وغناء عمر سيكل ، ديكور عكاش الهاوس ،اضاءة مصطفى بران،محافظة عبد الكبير مقبول إدارة الخشبة أسامة عفيفي ، إدارة الجولة والإنتاج محمد أجبون وخلاف الإدريسي….


*الحصلة لا هنا ٠٠٠ولا لهيه* عنوان يروم تلخيص نص ورؤية إخراجية وبناء مواقف درامية لكل شخصيات المسرحية
عبد الله شيشة في دور رئيسي بشخصة عامل النظافة البسيط في حياته والقانع والمقتنع بعمله في *حصلة* بين اليومي المعيش/ العمل المضني على عتبة الفقر وبين المتوقع الآتي / التطلع إلى الرفاهية بعد الحصول على المال مقابل تقديم خدمة لرجل مهم هو الآخر واقع في *حصلة* في العري /الخيانة الزوجية و المجبر على التخفي داخل صندوق زبالة على أمل البحث عن لباس للستر بأي ثمن، لباس يقدم مظاهر خادعة تساعد على الولوج إلى الأماكن الراقية حين تكون زاهية *حصلة اخرى تتجلى عند عامل النظافة الثاني في المفارقة بين فكر مثقف برؤى فلسفية راقية لمعنى الوجود والعدم والعمل في النظافة بمكنسة وصندوق قمامة للزبالة ،شخصية أداها بحنكة وحرفية أكاديمية بينة الممثل والمخرج ربيع بن جحيل.
*حصلة* *أخرى للفتاة الباحثة عن المال ولكنها تواجه مخاطر حياة الليل والمجون وحده عساس الحي/عين السلطة التي لا تنام يعرف كيف يخرج من كل حصلة يواجهها…


عند مقاربة النص الركحي يتبين انه نص محور أو مقتبس أو مقتنص من حوار بين رجل عار والآخر بلباس سهرة عن الكاتب الايطالي دار يوفو كما يشير ملصق المسرحية إلى ذلك ، ولكن معد النص تمكن من استنباته في تربة واقعية لينتقل من حوار رجلين أحدهما عار والآخر بلباس سهرة إلى حوار يدور بين عاملي نظافة حول معنى الشيء ووجوده بين المطلق والنسبي والمظهر والجوهر دون الوصول إلى نتيجة , وكأنه حوار/جدال فكري بين عراء وثراء في التفكير والمعرفة  حوار تمهيدي لبناء مواقف متدرجة لظهور شخصية فتاة الليل اولا لتؤدي دور الاغراء الجسدي بشكل غير متوقع في سياق الأحداث ، نجح في شد انتباه الجمهور واهتماماته وثانيا في التخلص من عامل النظافة الثاني لإخلاء المجال الركحي لحوار آخر بين البطل عامل النظافة الاول والعساس رمز الحضور الدائم للسلطة والمراقبة والقوة التي تمنح لنفسها مشروعية ممارسة العنف على الأفراد ولو بدون حق ، وبين حضور وغياب هذه السلطة يدور حوار أساسي بين رجل بلباس عمل رجال النظافة كرمز لوجوده ورجل مهم دو مكانة ومال ولكنه عار ،خائف ومتخفي ، يبحث عن لباس /حطة او ستر لخطيئته ، غير أن مجريات الأحداث تضع العامل في موقف المنقد / الباحث عن حل لورطة الرجل القابع وسط صندوق قمامة مقابل المال والاغتناء والخروج من وضعية الكدح والفقر ، وامام هذه *الحصلة* يقحم المخرج شخصية جديدة قد تكون مستوحاة من النص الأصلي لخلق رجة فكرية ثانية عند المتلقي بعد رجة المومس بشخصية غريبة بدون هوية أو وجهة محددة ،شخص هزيل البنية بزي انيق وباقة ورد يملك حلا للمشكلة /الحصلة ،وهو تفسير إخراجي يمكن من إعطاء سيرورة الأحداث ايقاعا سريعا و تنازليا نحو النهاية ،حيث يخسر الرجلان العاري/ المتخفي والمتباهي بلباسه/ الشاخص أمامنا كل شيء في النهاية.
نص فيه اجتهاد وبحث وملامسة لزوايا اجتماعية بلغة جميلة في بنائها اللفظي وراقية فيها الكثير من الرموز والدلالات المعبرة دون خدش رغم حضور موضوع العهر ،ولكن التمكن من أدوات المعالجة الاخراجية للفنان ربيع بن جحيل اسعفته في تمرير الخطاب الى المتلقي بدون إحراجه بل انتزعت إعجابه تصفيقا أوضحكا فرجويا ممتعا خصوصا مع الأداء القوي للمتمكن المحنك عبد الله شيشة.
مع ذلك لم تسلم الكتابة النصية من السقوط في تبني مفارقة بين الفقير السعيد بقناعته وعمله والغني الشقي بماله وسلوكاته.
كما يؤاخد النص باقتراح حلول لكل المواقف والأولى أن يترك للمتلقي مساحة من التخيل والتأويل والتساؤل عن المضمر من الظاهر ، ومع ذلك فهو استنبات جميل يقارب زوايا قاتمة في مجتمعنا بالجرعة الفنية اللازمة.
على المستوى السينوغرافي اثث لنا المبدع محمد آمين ايت حمو فضاءا مكانيا يقسم مساحة الركح إلى ساحتين الأمامية تجري فيها الأحداث الرئيسية المشكلة ل *الحصلة*والثانية خلفية عبارة عن حديقة مهملة مسورة بحواجز واسلاك حديدية مرتع للمشردين ومطرح للازبال بشكل عبثي ومخيف.
سينوغرافيا وظيفية في تشكيل الفضاء وانتقاء الملابس بدقة ساعدت الشخصيات على الأداء بعمق مثل ماهو الأمر عند عمال النظافة ولباس فتاة الليل وبشكل احمل توظيف موسيقي حي بالعزف المزدوج ايقاعا ونفخا من طرف الفنان الواعد عمر سيكل الذي اختير له الانزواء داخل فضاء الحديقة المهملة وكأنه بموسيقاه يرثي كائنات جميلة تموت عنوة ، إضاءة معبرة في قوتها وألوانها بين توضيح مساحات اللعب الامامية وتعتيم المساحة الخلفية وراء السياج.
وحده عازف الگيتار تحت بؤرة ضوئية خافتة تحيط به الظلال والاشباح يؤكد حضور النغم إلى جانب الكلم
عرض مسرحي لا مس تيمة *الحصلة*لمقاربة وضعية التردد بين الحسن والقبح السلوكي لنماذج إجتماعية كثيرة برؤية إخراجية رصدت تلك السلوكات بقوالب فنية جميلة جاذبة ومشوقة دون ملل اعتمادا على ممثلين رواد منحوا الأداء التشخيصي قوة حركية وإيقاعا سريعا يمس الوجدان ويسال العقل، داخل فضاء سينوغرافي رغم ثباته وعدم حركية جل عناصره إلى أنه يحيل المتفرج مند الوهلة الأولى إلى فضاء الساحة والحديقة المسيجة المهملة حيث تتكرر الكثير من ملامح حياتنا اليومية في المدن الكبيرة التي تفضح عيوبنا وتعري حقائقنا

شارك المقال

شارك برأيك

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

التالي