رغم تناسل مؤسسات تأطير الحقل الديني والإفتاء الرسمي والمجالس العلمية الوطنية والمحلية وقناتي محمد السادس للقرآن الكريم في الإذاعة والتلفزيون؛ لم يخرج مجال الإفتاء الديني عن قاعدة العصر ودخل بدوره إلى الشبكات الاجتماعية، واتخذ له صفحة فيسبوكية. «ركن التفقّه في الدين على المذهب المالكي» مجموعة فيسبوكية حديثة الظهور، قوامها أكثر من 22 «فقيها» و«عالما» ومتخصصا في الدراسات الإسلامية، من بينهم أعضاء في مجالس علمية محلية ومشرفون على مؤسسات تربوية، أصبحت خاصة «بتلقي أسئلة الناس الدينية وتلقي استفساراتهم الفقهية وبث نقاشات الأساتذة العلمية حولها، والهدف منها الإجابة عن تساؤلاتهم وفقا للأحكام الشرعية ومقاصد الشريعة الإسلامية، استرشادا بأقوال العلماء وخاصة السادة المالكية. حتى تعم الثقافة الشرعية جميع بيوت المسلمين»، يقول تعريف المجموعة لنفسها.
أصحاب المبادرة يقولون إن كلا من الصفحة الفيسبوكية والموقع الإلكتروني المنبثق عنها «مستقلان، غير تابعين لجهة رسمية، ويجتهد أعضاؤهما في إجابة الناس وفق المقاييس الشرعية، فإذا ما كانت هناك مسألة تحتاج إلى تعميق وبحث كالنوازل الجديدة، فلْيعرضها السائل على المختصين من العلماء بالمجالس العلمية إن شاء الله». كما يقدّم الموقع الرسمي للمجموعة اللائحة الكاملة لأعضائها الذين يتولون الإجابة عن الأسئلة الشرعية، مع السيرة الذاتية لكل عضو. وتبيّن هذه المعطيات أن الأمر يتعلّق بمجموعة شابة، جلّ أفرادها من مواليد الثمانينيات والسبعينيات، وجلّهم خريجو مؤسسات جامعية متخصصة في الدراسات الإسلامية والشرعية. كما تضم المجموعة عضوين جزائريين وآخر ينحدر من شمال مالي. فيما يقدّم عضوان مغربيان في المجموعة أجوبتهما انطلاقا من الخليج العربي حيث يقومان بمهمة الإمامة.
سفر المرأة دون محرم: يجوز شريطة أن تحرس نفسها
ردا عن سؤال تلقاه الموقع حول «هل يجوز للمرأة السفر والإقامة لوحدها خارج بلدها دون محرم للدراسة أو العمل؟»، اعتبر الجواب أن النهي عن سفر المرأة بدون محرم «معلل عند كثير من العلماء بالخوف عليها من الخلوة والضياع وتعريضها للفتنة». ثم يضيف أنه إن أُمن كل ذلك ولو مع غير المحرم «جاز لها السفر إن كان مباحا وفيه نفع وحاجة كالدراسة، وتحذر من السفر وحدها للسياحة والتنزه ونحو ذلك». وذهب جواب الموقع إلى أن السفر عبر الطائرة والحافلة والقطار «هو شبيه بالسفر مع القافلة العظيمة التي لا يحصل فيها الخلوة عند المالكية».
وبعد سردها عددا من الأحاديث النبوية، خلصت فتوى الموقع إلى أن السفر الجماعي في الطائرة، وفي الطرق «العامرة» قد يستغنى فيه عن المحرم إن كان ذلك فيه مشقة، «وكذلك الدراسة في الجامعات التي تستطيع المرأة أن تلتزم فيها بالضوابط الشرعية المعروفة. وتبقى المسؤولية عليها؛ وهي مكلفة عاقلة، فيجب عليها أن تحرس نفسها ولا تعرض نفسها لأي خلوة ولا لأي خروج مشبوه، وإلا حرُم عليها السفر». أما التعامل مع المرأة وكأنها بضاعة رخيصة أو فاقدة للأهلية أو بسيطة الفكر يسهل خداعها، فاعتبره الموقع طرحا «لا يتماشى مع واقعنا ومن رآه غير ذلك فهو يتلهى عن الحقيقة التي نعيشها بسذاجة فكره. إن الله يريد قلوبا تخشع لا قوالب تخضع، والمرأة أو الفتاة إن تلقت تربية صالحة وأرادت لنفسها الصلاح فلا توجد قوة تخرجها من صلاحها، وإن هي استمالتها ريح الفساد فلا مرد لها ولو جعلوها في قبو».
الكتابة بالحرف اللاتيني: جائزة إلا مع القرآن
ردا على سؤال حول ما إن كانت الكتابة بالأحرف اللاتينية جائزة شرعا، دخل المشرفون على الموقع في نقاش مطوّل بينهم، حيث اعتبرت المتخصصة فوزية أم يحيى أن «مما لا شك فيه أن الحروف اللاتينية المعروفة خالية من عدة حروف توافق العربية، فهي فلا تؤدي جميع ما تؤديه الحروف العربية.. ولهذا فالمنع قد يكون في كتابة القرآن لما سيقع فيه من تحريفات، بالإضافة إلى تشجيع كل من هبّ ودبّ على كتابته بلغته فكان هنا التحريم… أما بخصوص كتابة الأسماء والتعليقات والمشاركات… هل لها حكم الله أعلم؟»، تساؤل أجاب عنه عضو آخر من فريق الموقع، هو محمد الشطيبي، حيث قال إن أقل ما يقال فيه «أنه تنكر للهوية وللغة الإسلام والقرءان، هذا إذا كان قادرا على الكتابة بالعربية»، ليضيف صاحب فكرة المبادرة إلى إحداث هذا الموقع، عبد السلام أجرير، أن جواز كتابة القرآن بغير الحرف العربي «متعلق بكتابة المصحف لا بمطلق الكتابة، وهو كذلك، لا يجوز إلا بالحرف العربي، فإذا كُتب بغيره للحاجة عُدّ تفسيرا وليس مصحفا. أما كتابة آيات معدودات أو غيرها من باب التعليم خاصة فقد يجوز بشروطه للمصلحة. وهو ما يجري به العمل في دول العجم الذين لا يعرفون العربية».
قرض شراء السيارة: لا يجوز لأنها ليست ضرورة
طرح أحد الأشخاص سؤالا على أصحاب الموقع، يستفسر فيه حول حكم الشرع في شراء سيارة عبر اقتراض جزء من قيمتها من مؤسسة بنكية، «نظرا للمشاق التي أصبحت أتكبدها أنا وزوجتي في التنقل عبر وسائل النقل العمومي لذهابنا إلى العمل وكذا تلبية لمختلف حاجياتنا الأسرية، إضافة إلى أن زوجتي تضطر إلى ركوب سيارة زملائها وتتزاحم معهم، زيادة على المتطلبات المادية الإضافية التي نتكبدها جراء ذلك»، يقول صاحب السؤال، مضيفا: «قررنا شراء سيارة من خلال ما تيسر لنا تحصيله فيما الباقي سنقترضه من مؤسسة «وفا سلف» بعد أن سدت في وجوهنا سبل تحصيل هذا الباقي عبر السبل الشرعية، وفي ظل غياب مؤسسات للإقراض حسب الشريعة الإسلامية، فما رأي الإخوان في ذلك وشكرا؟».
جواب الموقع كان جازما، واعتبر أن السيارة ليست من الضروريات «وإن بدا لك غير ذلك فلا تسارع إلى الربا فإنه ممحوق يفسد الرزق الطيب، ويجلب البلاء والوباء، فإن كثيرا من المرابين مرض أبناؤهم وضاع مالهم». وأضاف عبد السلام أجرير أن الربا يجوز للضرورة، «والضرورة ليست هي الحاجة، بل الضرورة هي أن يكون الإنسان على مشارف أن يضيّع إحدى الكليات الخمس: الدين والنفس والعرض والعقل والمال. فأنت أخي غالبا أنك تعيش في صعوبة ولست في ضرورة حتى يُباح لك الربا. أما لو كنت مضطرا حقيقة لجاز لك ذلك، ومن أمثلة الضرورة الحقيقية أن تكون مجبرا على سداد دين ما أو تذهب إلى السجن فتفقد وظيفتك وسمعتك، فهنا تقترض للضرورة».
ذهاب المرأة إلى الحمام: لا يجوز دون ستر العورة
من بين الأسئلة التي تلقاها موقع الإفتاء حسب المذهب المالكي، واحد يتعلّق بحكم ذهاب المرأة إلى الحمام، «ونحن نعلم ما يكون في الحمامات من كشف للعورة وجازاكم الله خيرا». فكان ردّ عبد السلام أجرير أنه لا يجوز للمرأة أن تذهب إلى الحمام «إلا بشرط ستر العورة التي حددتها سابقا. وترك الذهاب في وقتنا أولى وأفضل إن شاء الله دون أن نقول بالتحريم». وأضاف أجرير أن من المعلوم أن المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تتكشف أمام الكافرة، «وعورتها مع الكافرة كعورتها مع أخيها وغيره من محارمها، فلا يجوز لها أن تبدي للكافرة فوق الشعر والنحر والأطراف. أما عورة المرأة المسلمة مع المسلمة مثلها فتتحدد في ما بين السرة إلى الركبة، ولا يجوز أن تُظهر ما بينهما للمرأة الأخرى المسلمة إلا للضرورة».
انطلاقا من ذلك، خلص أجرير إلى أن «حماماتنا كلها مخالفات في مخالفات، ولا يجوز الذهاب إليها إلا بالمئزر، حيث يجب على الداخلة إليه ستر ما بين سرتها وركبتها على الأقل، إلا إذا تيقنت من وجود غير المسلمات فلا تدخل الحمام أبدا. فإذا التزمت المسلمة بستر عورتها ودخلت بمئزرها فلا يضرها إن تكشفت غيرها إن شاء الله، ولتغض البصر فقط».
التحدّث هاتفيا مع الخطيبة: يجوز بدون كلام فاحش
اعتبر أستاذ العلوم الشرعية واللغة العربية بمدرسة أبي القاسم الشاطبي التابعة لوزارة الأوقاف بمدينة تطوان، محمد أرارو، أن «الكلام والخلوة مع الأجنبية يجتنب سواء كان بالمباشر أو بوسائل الاتصال، ونحن نعرف ما تجلبه الهواتف والدردشة من مصائب وغرائب، وكل ما يؤدي إلى الزنا فهو حرام وداخل في قوله تعالى: «ولا تقربوا الزنا»». وأضاف أرارو جوابا عن سؤال حول «هل يجوز للرجل أن يتحدث مع خطيبته في الهاتف قبل العقد؟»، أن هذه الأجنبية «قد تكون غير خطيبتك، بل أستاذتك أو معلمتك أو طبيبة اضطررت إلى الذهاب إليها، أو غير ذلك من الضروريات التي تدعو إلى الكلام مع الأجنبية في حدود المعقول وألا يؤدي إلى خلوة وحرام، ولم أر أحدا حرم الكلام مع الأجنبية رأسا دون تفصيل»، وأضاف المجيب متسائلا: «فكيف بالخطيبة التي تنوي أنك ستبني معها أسرتك وتصبح ربة بيتك وأم أولادك، إذا كلمتها مع محرم أو في الدراسة أو غيرها، ما لم يؤدِّ إلى الخلوة المحرمة والكلام الفاحش. فهذا لا أظن أن أحدا حرمه. والله أعلم».
المتخصصة في علم الأديان، فوزية أم يحيى، قالت بدورها: «إذا كان كلاما بالمعروف ولن تتولد عنه فتنة فلا بأس أي يكون بقدر الحاجة… لأن الخطيب أجنبي عنها، يعني أنه إذا مات لم تحد عنه ولن ترثه… وذلك لأن المكالمة التي لا طائل يرجى منها أدعى إلى الشهوة والتلذذ بصوتها… لهذا وجب الاحتراز، والله أعلم».
بيع زجاجات الخمر الفارغة: إثم ومشاركة في تجارة الخمر
من بين الأسئلة الغريبة التي تلقاها الموقع، ذلك الذي يقول: «ما حكم بيع زجاجات الخمر الفارغة مع العلم أنها تعاد لتعبأ من جديد؟». والمجيب كان هو رشيد متوت، صاحب الإجازة في علوم الدين من دار الحديث الحسنية، الذي قال إن «من يفعل هذا فهو مساهم في الدورة الصناعية والتجارية للخمور، فهو يوفر عليهم عناء البحث عن القنينات ويتلقى مقابلا وأجرا عن ذلك، فهو مساهم في إنتاج هذه السلعة، وله من الإثم ما يعلمه الله». وأضاف المجيب أن هذا الفعل منهي عنه، «خاصّة أن صاحبه يعلم مآل هذه القنينات علم اليقين. وكسبه فيه من الحرام ما فيه، فننصحه بأن يبتعد عنه في أقرب وقت، وليتق الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. والله تعالى الهادي إلى الصواب، والله تعالى أدرى بحكمه وأعلم».
الرشوة مقابل شهادة إدارية: تجوز عند الضرورة
«ما حكم إعطاء رشوة من أجل شهادة إدارية الحصول عليها يعتبر شبه مستحيل؟»، يقول أحد الأسئلة المطروحة على المجموعة المؤسسة للموقع الفقهي. أما الجواب فهو أن من اضطُرّ إلى دفع مال من أجل أن يأخذ حقه فقط لا حق غيره ولا زيادة على حقه وكان مضطرا فعلا لضعف شديد وخوف من فوات مصالحه المشروعة، «فقد أجاز بعض العلماء دفع هذا المال، واعتبروه ضرورة ولا يدخل في الرشوة التي حقيقتها أن تعطي المال من أجل أخذ حق الغير أو أكثر من حقك».
الفتوى تقول إن القانون المغربي يعاقب الموظف الذي يقبل الرشوة؛ «فما على السائل إلا أن يرفع أمره إلى الجهات الرسمية وسوف يُعاقب. والقوانين الأخيرة في الدولة المغربية شددت على أمر الرشوة. أما ما يقع من وراء الكواليس من بعض الاستغلاليين فلا يجوز، لا شرعا ولا قانونا». وفي نصيحة موجّهة إلى صاحب السؤال، قال الموقع: «وأنا أنصح السائل بأن يصبر ولا يساهم في ترسيخ هذه العادة الخبيثة التي تنخر جسم الأمة، وإن ثبت أن الموظف يتماطل في واجبه الوطني رفع أمره إلى الجهات الرسمية، وسوف تنظر في أمره».