غريش: حكومة بنكيران لا تملك آليات الحكم

24 يونيو 2014 - 22:25

 حاورته مريم الزريرة 

 

في هذا الحوار يعود الكاتب والصحافي الفرنسي المرموق آلان غريش إلى الثورات العربية ومآلها، ولا يستبعد أن يشهد المغرب حراكا شعبيا آخر بعد أن أفلحت السلطات في احتواء حراك 20 فبراير، ويرى أنه رغم الإصلاحات التي عرفها المغرب فإنها لم تفلح لحد الآن من فصم ذلك «الزواج القائم بين المصالح الاقتصادية والمخزن».. لنتابع..

 

‭{‬  كيف ترون المسار الذي اتخذته الثورات العربية بعد ثلاث سنوات من بدئها؟

< السؤال بسيط، والإجابة معقدة. من البديهي أننا خرجنا من الاحتفالية التي تلت سقوط حسني مبارك وزين العابدين بن علي. ونحن نعيش –الآن- وضعية صعبة ومختلفة، بحسب كل بلد. لكن رغم ذلك أعتقد أنه لا مجال للعودة إلى الوراء.  ما بدأ في ربيع 2011 وهو توق الناس للحصول على مزيد من الحرية وحل مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية، وتلك كانت أهم أسباب الانتفاضات الشعبية التي مازالت موجودة. ولا أرى سببا وجيها للعودة إلى الوراء إلى زمن ما قبل الثورات؛ مع العلم أن هناك عدة أوضاع مختلفة في كل بلد، وأصبح لكل قطر عربي قصته السياسية المختلفة عن القطر الآخر. لدينا وضع خطير جدا في سوريا وصل إلى درجة الهدم الكامل لمقومات الدولة، ومسارات أكثر تعقيدا في تونس ومصر، لكن المسألة الأهم بالنسبة لي هي التأكيد على أن هناك مستقبلا لهذه الثورات العربية، وأنها بداية عملية التغيير وليست نهايته، ورغم انقلاب الأحداث في مصر وسوريا وليبيا لا أعتقد أن مسلسل التغيير سيتوقف.

‭{‬ هل هناك احتمال بأن تعيش بعض الدول العربية، التي لم تشهد ثورات، تحولات تؤدي إلى انتفاضة شعبية؟

نعم، نعم..، بلا شك! هناك المغرب والجزائر من جهة، والمملكة العربية السعودية التي ليست بمنأى عن حركات احتجاجية جديدة.

‭{‬ لماذا لازلتم تتوقعون حراكا شعبيا في المغرب، ألا ترون أن التحول الذي شهده المغرب بعد إقرار دستور جديد ومجيء حكومة إسلامية إلى الحكم كفيل بإخماد الاحتجاجات وتحقيق التنمية المنشودة؟

< لا أعتقد ذلك! في المغرب توجد حكومة لا تملك آليات الحكم، فلا أمل في التغيير منذ وصولها. التعديل الدستوري الذي شهده المغرب كان مهما وشاملا أكثر مما شهدته دول أخرى. الملك فهم بشكل أعمق ما يحدث في بلدان أخرى، ولكن في نهاية المطاف فهو الذي يقرر كل شيء، وفي كل الملفات والقضايا الكبرى. لا أعتقد أن الحكومة الحالية مسؤولة أمام الشعب أو الناخبين، والنظام الانتخابي يسهل ذلك. مشكلة كل الدول العربية هو أنه حتى بوجود تعديلات دستورية، فالرئيس الفعلي للدولة هو الذي يقرر إذا ما كانت هذه التعديلات مناسبة، وسيتم اعتمادها أم لا. لا أحد يستبعد أن يتم غدا، سواء في المغرب أو في بلد عربي آخر، التخلي عن التعديلات التي أدخلت على الدستور والعودة إلى الشكل القديم من الأحكام والقوانين؛ بالمقابل –مثلا- هذا التحول أصبح مستعبدا في تونس بشكل تام، وهذا هو الفرق بالنسبة لي. أنا أرى أن التعديلات الأخيرة التي أجريت على الدستور المغربي لو تمت قبل 10 سنوات لبدت استثنائية ورائعة، لكنها –الآن- تبدو غير كافية مقارنة بتطلعات الشعب، ولن توقف حركة شعبية احتجاجية.

‭{‬  ألا تعتقد بأنه لو كانت الوضعية السوسيو-اقتصادية للمغرب مستقرة، فذلك سيؤثر على المناخ السياسي العام، وتتقلص احتمالات حدوث ثورة شعبية بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم؟

بالتأكيد، لكني لا أعتقد أن هناك وضعا اقتصاديا أو اجتماعيا مستقرا في المغرب، بل هناك فقر رهيب..، واقتصاد ريعي واضح المعالم. المغرب يُسيَّر بطريقة أفضل بالنظر إلى كثير من الدول، ولكن ذلك لا يكفي. المغرب بلد يضم ظواهر تتجلى في عدم المساواة، وفي سيادة تمايز طبقي عميق. المغرب بلد يسود فيه زواج حقيقي بين المصالح الاقتصادية والمخزن، كل هذه العوامل تمنع فعليا وجود تنمية اقتصادية منسجمة مع مصالح عموم المواطنين المغاربة. 

‭{‬  إذا كان هناك احتمال لاندلاع ثورات في منطقة المغرب العربي، ألم تكن الانتخابات الجزائرية الأخيرة الفرصة المناسبة لذلك، رئيس شبه ميت يقاد إلى الحكم، ويصوت على كرسي المقعدين، ولا يتوجه بكلمة واحدة للشعب خلال حملته الانتخابية؟

<   للجزائر طابع مختلف، بحكم تأثير الحرب الأهلية التي اندلعت في التسعينات، والتي مازالت تؤثر على عموم الجزائريين، ثم إنه لم يظهر خلال الانتخابات أي بديل محتمل. معظم الناس لم تذهب إلى صناديق الاقتراع، ولم تهتم بما يجري. اليوم، هناك تفاوت كبير بين وتيرة الحكم والشعوب. الناس لم تعد تهتم بالسياسة ظاهريا، كذلك كان الأمر في مصر في 2010، ثم ظهرت حركة احتجاجية في 2011. لا أحد يعلم متى يمكن أن تندلع شرارة الغضب في الجزائر، لكن ذلك ليس مستبعدا بتاتا.

‭{‬  ألا تعتقد أن ما جرى في سوريا قد أحبط كل الحركات الاحتجاجية والتحررية في العالم العربي وأعاق استمرار الربيع العربي؟ 

< نعم، بلا شك، لكن تشكيلة المجتمع السوري مختلفة، وأكثر تعقيدا على المستوى الديني والطائفي مقارنة بدول المغرب العربي. سوريا أصبحت ساحة مغلقة للصراع بين مختلف دول المنطقة. الكثير من الأنظمة تستعمل الوضع في سوريا للتخويف من أي احتجاج محتمل. السعودية تفعل ذلك؛ ولكن إذا تابعنا الوضع في السعودية على شاشات «الرادار» فسنرى حركة اجتماعية احتجاجية يمكن رصدها على مواقع التواصل الاجتماعي بقوة. هناك غضب شعبي لم يعد من الممكن إخفاؤه، وهناك -وهذا حال جميع الدول العربية- فساد هائل وسرقة لثروات ومقدرات البلدان، وحتى في البلدان الغنية جدا مثل الجزائر والسعودية يظهر جليا تأثير هذا الفساد لأنه ضخم. اليوم، هو أن الكل أصبح يعلم بما يجري، حين يسرق أمير سعودي قطعة من الأرض فالكل سيعلم ذلك عن طريق «تويتر». تراكم هذه القضايا وهذا الوعي الشعبي لا أحد يعلم كيف سيترجم في لحظة من اللحظات على أرض الواقع، كما لم يكن أحد يعرف أن الثورة ستنطلق من تونس إلى ليبيا ومصر.

‭{‬  ألا تعتقدون بأن ابتداع العنصر الطائفي في الثورة السورية والخوف المتزايد من حرب سنية شيعية وقلق السعودية من امتداد النفوذ الإيراني في المنطقة قد يعرقل حركة الثورات أكثر؟ 

< العديد من الأنظمة، خصوصا في الخليج، تستخدم التخويف من عنصر الانقسام السني الشيعي لإبقاء الأوضاع على ما هي عليه الآن، خصوصا في السعودية وإيران. نعم، يمكن أن يؤثر هذا العامل بشكل سلبي، ولكن في نفس الوقت لننظر مثلا إلى لبنان.  صحيح أن العلاقات السنية الشيعية سيئة جدا الآن، لكن  في 2006 حين حصل الهجوم الإسرائيلي على لبنان اصطف الجميع سنة وشيعة وراء حزب الله، حتى نسب الزواج بين السنة والشيعة كانت مرتفعة في ذلك الوقت، ليست هناك صداقة دائمة بين السنة والشيعة، وليست هناك عداوة دائمة، هناك دائما متناقضات -كما هو الحال بين الكاثوليك والبروتستان في أوربا- ولكن هناك دائما إمكانية لتجاوزها. صحيح أن هذا التناقض استخدم من قبل النظام في سوريا لتحويل الصراع من صراع سياسي إلى صراع ديني، لكنه لن يمنع استمرار الثورات خصوصا في بلدان مثل المغرب والجزائر بحيث لا تنوع مذهبي فيها.

‭{‬  ألا تتوقعون حدوث حرب بين السنة والشيعة في العالم العربي خلال الأمد القريب؟

لا أعتقد! ما يمكن توقعه هو حرب بين إيران والسعودية، ولكن من الصعب توقعها. المملكة العربية السعودية تملك الدعم من الولايات المتحدة رغم أن هذه الأخيرة تفاوض إيران، إلا أنها لن تسمح لها بمحاولة امتلاك أشكال القوة على السعودية، كما لم تسمح للعراق بالاستقواء على الكويت في عهد صدام حسين. الأخطر ليس هو احتمال نشوب حرب دينية بين دولتين. الأخطر هو ما يجري في سوريا، حيث تدور حرب يقاتل فيها آلاف المتطوعين الشيعة من حزب الله اللبناني أو الميليشيات الشيعية العراقية ضد آلاف الجهاديين الإسلاميين السنة القادمين من دول متعددة، هذا  هو الأخطر برأيي. تدويل الصراع السوري أساء إلى الثورة كثيرا.

‭{‬  في  هذا السياق، هل ترى بأن هناك مخاوف أوربية وأميركية من انتشار الجماعات الجهادية المتطرفة ووصولها إلى أوربا، وتهديد أمنها له ما يبرره؟

أعتقد أن هذه المخاوف مبالغ فيها كثيرا. أولا، لأنه ليس كل من يذهبون إلى سوريا يفعلون ذلك بغرض المشاركة في الحرب. حين يذهب مسلم، أصوله فرنسية إلى البوسنة للمساعدة، لا أحد يقول عنه إنه جهادي، بينما حين يذهب مسلم من أصول عربية إلى سوريا، الكل يقول إنه ذهب للجهاد. التخويف من الجماعات الجهادية مبالغ فيه، هناك منظمات جهادية متطرفة يمكن أن توظف أشخاصا في أوربا، لكن المسألة لا تأخذ الأبعاد الخطيرة التي يتحدث عنها الإعلام وبعض المسؤولين الأوربيين.

‭{‬  لماذا برأيك يبالغون، ما الفائدة من ذلك؟

يفعلون ذلك لأنه جزء من الحملة ضد الإسلام في أوربا، ومن النظرة المستهجنة للإسلام عبر العالم. الكثير من المواطنين الأوربيين وحتى المسؤولين يعتقدون أن الإسلام عدو خطِير عليهم. إذا كانت فتاة ترتدي الحجاب تهدد الجمهورية، فإن شخصا يذهب للقتال في سوريا يهددها بشكل أكبر.

‭{‬  هل هذا ما يفسر تغير الموقف الأوربي تجاه الربيع العربي، في البداية كان هناك دعم محتشم. والآن، هناك عودة إلى دعم الديكتاتوريات وتبرير الانقلابات في المنطقة؟

في بداية الربيع العربي كان هناك ابتهاج غربي، وقيل إن الإسلاميين سيختفون من المشهد لأنهم لم يكونوا حاضرين بقوة، خصوصا في المشهد التونسي، ولكن حين ربحوا الانتخابات في مصر وتونس كانت المفاجأة. الأمر معقد أكثر من الظاهر؛ يجب ألا نبالغ في الحديث عن دور الاتحاد الأوربي، نحن لسنا في سنوات الخمسينيات ووسائل تدخل أوربا أصبحت محدودة، ثم إن المواقف تختلف بحسب الدول. الحكومة الفرنسية دفعت باتجاه حل توافقي بين الإسلاميين والعلمانيين في تونس. في ليبيا الوضع كان أكثر غموضا، مع ذلك تظل فرنسا أكثر تطرفا في مواقفها تجاه الربيع العربي مقارنة مع بريطانيا أو إيطاليا –مثلا- بسبب سوء قراءة وتطبيق مفهوم العلمانية. في فرنسا جزء من تيارات اليسار معادية للإسلام، والحال مختلف في باقي الدول الأوربية، وذلك راجع إلى تاريخ فرنسا الثوري الراديكالي وسياسة الفصل بين الكنيسة والدولة، حيث أخذ الصراع من أجل علمنة الدولة دائما طابع العداء للدين، وهو ما لم يحدث في دول أخرى، إذ حدث فصل أكثر حيادية. اليوم، جزء كبير من اليسار الفرنسي -الذي لم يعد يحافظ على مبادئه الاشتراكية وأصبح يسير على ركب الولايات المتحدة- ويرى في العلمانية أو بالأحرى في قراءة طوائفها معيارا ومنهجا يسير عليه.

‭{‬  ألا تعتقدون بأن الموقف الأوربي، المناهض لتطلعات الشعوب، ساهم في حدوث الانقلاب في مصر وفي استمرار الوضع المتدهور حاليا في سوريا، ألا يبدو الحياد الأوربي سيئا إلى حد بعيد؟

أجل، أتفق معك. لكن  ما قلته أعني به الحديث عن العجز الأوربي. لم نعد في سنوات الخمسينات، حيث كانت أوربا تقرر فيما سيجري بالمنطقة العربية، وهذا شيء إيجابي بالنسبة لي. ليس من حق أوربا أن تتدخل فيما يجري داخل البلدان العربية، هذه مسؤولية الشعوب والحكومات العربية. يمكن أن نتمنى وجود مواقف أوربية أكثر حزما! ولكن ليس هذا ما سيغير الموقف في المنطقة. الوضع في سوريا مختلف قليلا ما، بحيث من الضروري أن نعرف كل الأوهام التي تحيط بالوضع السوري. الثورة في سوريا بدأت بعد الثورتين المصرية والتونسية، واعتقدنا جميعا أنها ستكون سهلة، وأنه علينا فقط أن نترك المقاومة والاحتجاج يسيران بشكل تلقائي من قبل الشعب ليسقط النظام بعد فترة قصيرة، ولم نأخذ بعين الاعتبار أن هذا النظام استخدم ضد شعبه قوة لم يستخدمها لا مبارك ولا بن علي لقمع الاحتجاجات ضدهما. الأسد وجه مدافعه وطائراته ضد شعبه. وأعتقد أننا ارتكبنا أخطاء في الحسابات، لم نطبق دائما استراتيجيات جرى التفكير فيها بشكل جيد، لكن أقر أيضا بأن الإسلاموفوبيا لها تأثير في دعم أو عدم دعم الثورات العربية.

‭{‬  ألا تعتقد بأن تعثر الثورة السورية قد شجع كثيرا على حدوث انقلاب ضد السلطة الشرعية في مصر؟

< لا أعرف! هناك وضع متناقض. السعودية وقفت بشكل كامل وراء الانقلاب في مصر، ووقفت بشكل كامل ضد بشار الأسد. لا أفهم هذا الوضع. نحن في سياق يصعب فيه على المجتمع الدولي معرفة القرار الذي تم اتخاذه إزاء الربيع العربي. ليس هناك توافقات في هذا المجتمع على قرارات واضحة. أحيانا يطلب منه التدخل ويوصف بالتقاعس إن لم يفعل، وحين يفعل ترتفع أصوات المنددين بحجة أنه تدخل في أمور الدول الداخلية، لأنه في واقع الأمر ليس هناك مفهوم حقيقي للمجتمع الدولي بمعنى المساواة بين الدول التي تتدخل بشكل موحد؛ هناك تدخلات مطابقة لمصالح الدول وأخرى لا تتم، لأنها غير مطابقة لهذه المصالح.

‭{‬  ماذا تتوقعون أيضا أن يحدث في سوريا؟

أظن أن الحرب ستستمر لفترة طويلة! النظام لا يملك القدرة على سحق المعارضة بكل أطيافها، لا أميركا ولا دول الخليج سوف تسمح بالقضاء على المعارضة السورية؛ وهذا يعني استمرار حالة الحرب لفترة طويلة قبل الدخول في مسلسل دبلوماسي وسياسي يحسم الوضع. 

‭{‬  ألسنا إزاء وضع شبيه بما حدث في لبنان في ثمانينات القرن الماضي؟

لا أعتقد ذلك! المرحلة مختلفة والدولة اللبنانية كانت عبارة عن مؤسسة، بناء على تحقيق التوازن المذهبي بين مجموع الطوائف، وذلك لم يكن الحال في سوريا، رغم أن هناك أقلية تستحوذ على كل المناصب، فإنها لم تكن تقدم نفسها باعتبارها دولة دينية، حيث يجب على الرئيس أن يكون مسيحيا ورئيس الوزراء مسلما سنيا، أو ما شابه ذلك من تقسيمات السلطة. الوضع مختلف، ولكن المقلق –حاليا- هو أن هذه الحرب ليست محدودة في سوريا، بل هناك خطر امتدادها إلى لبنان والعراق، ومن وجهة النظر هذه فإن الوضع في شرق مصر مثير للقلق أكثر منه في المغرب العربي ومصر نفسها.

‭{‬ هل تجدون أي رابط استراتيجي بين ما يجري في سوريا وأوكرانيا على مستوى العلاقات الدولية ؟

< لا، هناك عودة قوية لروسيا على الساحة العالمية بعد فترة خمدت فيها قوتها، هذه العودة بدأت ملامحها بسوريا، حيث روسيا لها مصالح مهمة هناك، وفي منطقة المتوسط. اليوم، هي تحاول أن تحمي وتطور هذه المصالح؛ أما أوكرانيا فهي البلد الأجنبي الأقرب لها، ولا يمكن أن تسمح للأمريكيين بوضع حكومة موالية لهم في كييف ومعادية للحكومة في موسكو، خصوصا وأن كييف منقسمة بشكل عميق. ليس الأمر صحيحا أن هناك اليوم حكومة ديمقراطية في أوكرانيا مقابل أشخاص موالين للديكتاتورية. الرئيس الذي جرى الانقلاب عليه كان منتخبا بشكل ديمقراطي، والبلد منقسم –الآن- إلى قسمين كما هو الحال في مصر. المفروض هو إيجاد حل وسط يأخذ بعين الاعتبار مصالح روسيا أيضا. يجب ألا ننسى أنه في نهاية الحرب الباردة، وحين منحت روسيا بقية الجمهوريات استقلالها، كان هناك تعهد من أمريكا و «الناتو» بأنه لن يضع قواعد له على مقربة من روسيا، وأن ذلك لن يتم على حساب مصالح روسيا، وذلك ما لم يتم. من الطبيعي أن يكون رد الفعل الروسي   -الآن- قويا ضد الغرب.

أستبعد أن يؤثر ما يجري في أوكرانيا على القرارات بشأن سوريا. الأمر لا يتعلق بحرب شاملة. هذا الصراع لا يشبه الحرب الباردة، وأهم من يعتقد ذلك، هناك خلاف بين روسيا وأمريكا، ولكن ذلك لم يؤثر على الحوار مع إيران مثلا. لو كنا في زمن الحرب الباردة لما استمر هذا الحوار. روسيا اليوم ليست ضد حوار إيران مع أميركا. من بين الأشياء الجديدة التي نعيشها في هذا العالم هو أنه ليس هناك تحالفات استراتيجية، هناك فقط تحالفات مؤقتة تقام بحسب مصالح الدول فقط، هناك تراجع للإيديولوجية. العملية يصعب فهمها لكنه الواقع يساهم في ذلك. روسيا لا تريد أن ترى إيران تتحول إلى قوة نووية، وهي متفقة في ذلك مع الولايات المتحدة. وهناك اليوم علاقات غريبة بين روسيا وإسرائيل رغم أن البلدين مختلفين تماما حول المسألة الإيرانية. رأينا أيضا كيف أن ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة لم يحضر أشغال الدورة التي تم فيها التصويت على استقلال شبه جزيرة القرم، لأن الأميركيين كانوا غاضبين. نحن في عالم يتجه إلى أن يصبح غير إيديولوجي، وأستبعد فيه عودة الحرب. وأعتقد أنه حتى التقارب الحالي بين روسيا والصين هو تقارب تكتيكي-استراتيجي وليس إيديولوجيا. لن تعرض الصين علاقاتها مع أميركا للخطر لفائدة أن تكون لها علاقة قوية مع روسيا.

‭{‬ مع العلم أن قوة أمريكا حاليا في تراجع؟

< بلا شك. نحن ندخل اليوم عالما متعدد الأقطاب رغم أن الولايات المتحدة تظل القوة الأساسية فيه، ويمكن أن تعود بقوة. اليوم، أحد أسباب عدم التدخل الأمريكي المباشر في سوريا هو عدم رضا الرأي العام الأمريكي مثلما حدث بعد حرب الفيتنام، لكن فرص عودتهم إلى الساحة بقوة مازالت موجودة، وتظل الولايات المتحدة القوة الأساسية عالميا على الصعيد العسكري والاقتصادي، هناك تراجع -لكنه في اعتقادي- يظل مؤقتا. ليس «الفيتو» الروسي هو ما يوقف تدخلا أمريكيا مباشرا في سوريا. القرار الأمريكي مازال قويا.

‭{‬ كيف تقرأون صعود اليمين في الانتخابات الأوربية الأخيرة ؟   

هناك أسباب متعددة لتفسير هذا الصعود. أولا، نحن نعيش أزمة اقتصادية كبيرة وخطيرة جدا منذ سنوات تشبه إلى حد بعيد تلك التي عاشها العالم في ثلاثينات القرن الماضي. ثانيا سياسات اليمين واليسار أصبحت متشابهة؛ في فرنسا مررنا بمرحلة ساركوزي وهولاند، ويكاد لا يوجد فرق على صعيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية بينهما، والقوة الوحيدة التي يمكن أن تمثل بديلا هي الجبهة الوطنية التي توظف مخاوف الفرنسيين من خطر الأجانب وتُفاقِمها، وباتت  سياستها كما سياسة اليمين واليسار تعتمد على المشاركة في حملة التخويف من الأجنبي عبر الترويج لفكرة أن مشكلة الفرنسيين هي الهجرة والبطالة والأمن… من الطبيعي ومن المحزن أيضا أن يصوت الناس لصالح اليمين المتطرف. المشهد السياسي الفرنسي يعيش أزمة فعلية، لكني لا أتوقع هيمنة كاملة لليمين المتطرف على السلطة.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي