لم يتوقع أحد أن يتم تسجيل أحداث الرعب بسوس التي هزت هدوء المنطقة الهادئة التي تعرف بطيبة أهلها وسكون لياليها، غير أن الأمر لم يكن هذه المرة مثل الحركات الاحتجاجية التي شهدتها المنطقة، والتي تنتهي في أغلب الأحيان بإصدار بيان تنديدي أو رفع اعتصام شكلي أمام مؤسسات الدولة.
بل تطور الأمر إلى عنف وغضب وإشعال للنيران وسط قارعة الطريق وفي سيارات الأمن والدرك، فكانت القصة كما شهدها المغرب، أحداث استثنائية طبعت سنة 2025.
وبينما ستعم الأفراح مختلف المدن المغربية احتفاء بقدوم العام الجديد 2026، تظل أحداث عام 2025 محفورة في الذاكرة الجمعية لمنطقة سوس بمثابة « خريف غضب » هزّ السلم الاجتماعي.
لقد كان عاماً استثنائياً بجميع مواصفاته، جمع بين المنجزات الوطنية الكبرى وبين هزات ميدانية عنيفة وضعت الاستقرار المحلي أمام اختبار وجودي، خاصة في المثلث الاجتماعي الساخن الذي يربط بين إنزكان وأيت عميرة، وسيدي بيبي.
- احتجاجات جيل zفي إنزكان … عاصفة صدمت الجميع:
في مساء الثلاثاء 30 شتنبر 2025، تحولت وقفة احتجاجية في إنزكان إلى مواجهات عنيفة بين المتظاهرين الشباب وقوات الأمن العمومي، وكر وفر بين الأزقة والدروب إلى أن انتهى الأمر بمواجهات ليلية عنيفة تم من خلالها إحراق سيارة الأمن الوطني وتخريب واجهة محلات تجارية.
وقد شهدت المدينة تصعيدا خطيرا، بعدما أقدم محتجون على اقتحام مركب تجاري وإضرام النار خارجه، إضافة إلى حرق سيارات وإحداث تخريب واسع في محيطه.
وفي نفس الليلة أقدمت مجموعة أخرى من المحتجين على إضرام النار في بناية تابعة لمؤسسة بريد المغرب، وهو ما استدعى تدخلاً عاجلاً لعناصر الوقاية المدنية لإخماد النيران ومنع امتدادها إلى البنايات المجاورة.
وقد خلف الحادث أضراراً مادية وصفت بـ”الخطيرة”، في وقت لم تسجل أية وفاة في صفوف المحتجين والقوات العمومية، بينما تم تسجيل إصابات خطيرة في صفوف رجال الأمن وممثلي السلطة وعناصر القوات المساعدة.
- – نيران « جيل Z » باشتوكة التهمت مقر جماعة سيدي بيبي وهشمت مرافق وممتلكات في أيت عميرة :
سجّل عام 2025 سابقة خطيرة في إقليم اشتوكة أيت باها، حيث قاد شباب « جيل Z » احتجاجات انطلقت بمطالب اجتماعية لكنها سرعان ما انزلقت نحو العنف الجماعي الذي نفذه المئات من الشبان أغلبهم اليوم متابعون أو محكومون بسنوات من السجن النافذ.
ففي جماعة سيدي بيبي، بدأت التجمهرات تتكاثر مساء كل يوم وفق دعوات « فايسبوكية » تختار بعناية أماكن محددة معروفة بتجمهر الشباب واليافعين وحتى القاصرين، وسرعان ما تحولت الشعارات إلى مسيرة متجهة صوب مقر الجماعة، وهناك كانت المفاجأة …
حيث أقدم عشرات الملثمين على اقتحام مكاتب الجماعة والعبث بمحتوياتها، وإشعال النيران في المحجز الجماعي وسرقة محتوياته.
ولم تكن النيران مجرد ألسنة التهمت الأرشيف والأثاث، بل كانت إعلانا عن قطيعة خطيرة مع مؤسسات التمثيل المحلي، مخلّفة شللا إداريا وجرحا غائراً في ثقة المواطن بمحيطه، وعجزا ملحوظا في السير العادي للمصالح الجماعية التي فقدت العديد من الوثائق والتجهيزات.
وفي أيت عميرة: لم تكن الأوضاع أقل حدة من غيرها من المدن، حيث شهدت المنطقة أعمال شغب واسعة استهدفت الممتلكات العامة والخاصة، منها عيادة طبية ووكالة خاصة للتأمينات وسيارات الدرك الملكي.
وتحولت الشوارع بسرعة البرق وفي أقل من ساعتين، إلى ساحة للمواجهة المباشرة بين القوات العمومية وعدد من المحتجين، ولحسن الحظ لم تسفر هاته المواجهات عن أي وفيات، عكس ما تم تسجيله في القليعة بنفوذ عمالة إنزكان أيت ملول.
- القليعة: الجرح المفتوح وملف « وفيات الرصاص » :
في عمالة إنزكان أيت ملول، كانت القليعة مسرحا للفصل الأكثر دموية في هاته الأحداث المأساوية، وتحولت محاولات مهاجمة مركز للدرك الملكي إلى صدام مباشر أدى إلى سقوط ضحايا، الذي فتحت النيابة العامة، بشأنه « تحقيقا معمقا » للكشف عن خلفيات إصابة المحتجين ومحاسبة المسؤولين، بينما أشارت نفس النيابة العامة، بخصوص الأحداث المذكورة، إلى أنها فتحت بحثا قضائيا بشأن أحداث العنف الخطيرة التي شهدتها مدينة القليعة بضواحي أكادير مساء الأربعاء 1 أكتوبر 2025، بعدما تحوّل تجمهر لمجموعة من الأشخاص من مختلف الأعمار إلى أعمال شغب طالت مركز الدرك الملكي بالمنطقة وممتلكات عامة وخاصة.
وأوضح بلاغ النيابة العامة أن التجمهر الذي شارك فيه عدد من القاصرين المدججين بأسلحة بيضاء وعصي وحجارة، عرف ارتكاب تجاوزات خطيرة تمثلت في تخريب سيارات خاصة وحافلة للنقل العمومي ومحلات تجارية وقطع الطريق العام، قبل أن يتوجه المحتجون نحو مركز الدرك الملكي بالقليعة ويضرموا النار في واجهته الأمامية ونافذته الخلفية، ما أدى إلى خسائر مادية جسيمة شملت تجهيزات المراقبة وكاميرات البوابة الرئيسية.
وأضاف البلاغ أن المتجمهرين استولوا على سيارة رباعية الدفع وخمس دراجات نارية تابعة للمركز بعد اقتحامهم المرآب، وأضرموا النار في إحداها وسط الطريق العام، كما أصيب ثمانية عناصر من الدرك بجروح متفاوتة الخطورة، ثلاثة منهم إصاباتهم بليغة. كما تعرض السكن الوظيفي لعناصر الدرك لهجوم مباشر وجرى تكسير سيارتين مدنيتين تابعتين للمركز.
- استعادة السكينة والهدوء وسط مساعي لتجاوز الاحتقان في العام الجديد :
مع اقتراب نهاية العام، سعت الدولة لاستعادة هيبتها بقبضة من حديد، عبر المسار القضائي الذي خلف أحكاما رادعة في حق المتورطين في حرق جماعة سيدي بيبي وأعمال التخريب في أيت عميرة، في رسالة حازمة لإعادة هيبة الدولة بعد توزيع ما يقارب 260 سنة سجنا على ما يتجاوز ثلاثين متهما على خلفية أفعال التخريب وإضرام النار والاعتداء على الممتلكات والأفراد.
بينما تمكنت السلطات الأمنية من تتبع مسارات التحريض الإلكتروني الأمر الذي أفضى إلى كبح تجمهرات جيلz واستتباب هدوء نسبي في نهاية سنة 2025 وعودة الحياة إلى طبيعتها في المرافق العامة والأسواق.