آسية دحموني- صحافية متدربة
لأسابيع قليلة، تتحول الحملات الانتخابية إلى ما يشبه «موسما اقتصاديا» مصغرا. فخلف صور المرشحين والملصقات والتجمعات والمهرجانات الخطابية، تتحرك سلسلة من الأنشطة والخدمات؛ من المطابع والإشهار، إلى النقل والمطاعم، مرورا بالتصوير والتصميم والتواصل الرقمي وتنظيم التظاهرات.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يزداد الطلب على هذه الخدمات، فاتحا الباب أمام فرص دخل إضافية ومناصب شغل مؤقتة، يستفيد منها مهنيون وشباب، قبل أن تنتهي في الغالب بانتهاء الموسم الانتخابي.
«موسم اقتصادي» لأسابيع قليلة
يصف الخبير والمحلل الاقتصادي محمد جدري فترة الحملات الانتخابية بأنها شكل من أشكال «النشاط الاقتصادي الموسمي والمؤقت»، بالنظر إلى ما تخلقه، خلال مدة زمنية قصيرة، من طلب إضافي على مجموعة من السلع والخدمات، وما توفره تبعا لذلك من فرص مؤقتة للشغل والدخل، خصوصا لفائدة الشباب.
وفي مقدمة المستفيدين، بحسب جدري في تصريح لـ »اليوم 24″، تأتي قطاعات الطباعة والإشهار والتواصل، مع ارتفاع الطلب على طباعة المنشورات والملصقات واللافتات، إلى جانب خدمات التصميم الغرافيكي والتصوير وإنتاج الفيديو والمحتوى الرقمي وإدارة صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
وازدادت أهمية هذا الجانب، وفق المتحدث، مع انتقال جزء متزايد من التواصل السياسي إلى الفضاء الرقمي، بعدما باتت الحملات الانتخابية تجمع بين التحرك الميداني والتنافس على الوصول إلى الناخبين عبر المنصات الرقمية.
ولا يتوقف الأمر عند المطابع وشركات التواصل، إذ يمتد أثر الحملة إلى النقل واللوجستيك، مع حاجة المرشحين والأحزاب إلى نقل الفرق التنظيمية والمشاركين والمعدات، وتنظيم التجمعات واللقاءات الميدانية، ما يرفع، ولو بصورة مؤقتة، الطلب على خدمات النقل وكراء السيارات والتجهيزات والخدمات اللوجستيكية.
كما تستفيد المطاعم والمقاهي وخدمات التموين من هذه الحركة، خصوصا في المدن والمناطق التي تشهد كثافة في التجمعات والأنشطة الانتخابية، إلى جانب أنشطة تجارية صغيرة ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتنظيم التظاهرات.
أموال الحملات تتحول إلى مداخيل
من زاوية أوسع، ينظر جدري إلى نفقات الحملات الانتخابية باعتبارها «ضخا مؤقتا للسيولة» في الاقتصاد المحلي.
فالأموال التي تنفق على طباعة منشور أو كراء وسيلة نقل أو خدمات مطعم أو مصور أو تقني تتحول، في نهاية المطاف، إلى رقم معاملات ومداخيل لمقاولات ومهنيين وأفراد، ويمكن أن يعود جزء منها إلى دورة الاستهلاك من جديد، بما يخلق أثرا اقتصاديا مضاعفا، وإن ظل محدودا زمنيا.
ولا تتوزع هذه الحركة بالتساوي بين مختلف المناطق. ويوضح جدري أن أثرها يكون أكثر وضوحا في الدوائر ذات الكثافة السكانية المرتفعة، والتي تشهد تنافسا انتخابيا قويا ونشاطا مكثفا للأحزاب والمرشحين، بينما يتراجع في دوائر أخرى.
أما في سوق الشغل، فتظهر خلال هذه الفترة فرص أمام السائقين والمصورين والتقنيين والعاملين في الطباعة والتوزيع ومنظمي التظاهرات ومقدمي خدمات التواصل الرقمي وغيرهم.
لكن هذه الدينامية، يشدد الخبير الاقتصادي، لا ينبغي أن تقود إلى المبالغة في تقدير الأثر الاقتصادي للانتخابات، لأنها تظل «انتعاشا ظرفيا» وليس خلقا مستداما لمناصب الشغل.
ويؤكد جدري أن جزءا كبيرا من هذه الفرص ينتهي بانتهاء الحملة، ولذلك يصعب الحديث عن تأثير هيكلي في البطالة، في وقت يظل فيه التحدي الأساسي أمام الاقتصاد المغربي هو توفير فرص شغل دائمة ومنتجة، عبر الاستثمار والأنشطة الاقتصادية القادرة على خلق مناصب مستقرة.
سلمى… فرصة عمل تنتهي بانتهاء الحملة
بعيدا عن المؤشرات الاقتصادية، تظهر ملامح هذا «الموسم» في تجارب شباب وجدوا في الحملات الانتخابية فرصة للعمل أو اكتساب تجربة ميدانية، ولو لفترة محدودة.
سلمى اليزغي واحدة من هؤلاء. الشابة، التي لا تتوفر على عمل قار، انخرطت في أنشطة شبيبة حزب العدالة والتنمية، وأصبحت تساهم في تأطير الشباب وتوزيع الملصقات والمنشورات، إلى جانب المشاركة في تنظيم اللقاءات والمهرجانات الخطابية.
وفي حديثها لـ«اليوم 24»، تنظر اليزغي إلى التجربة باعتبارها فرصة لاكتساب خبرة ميدانية، رغم إدراكها لطابعها المؤقت وارتباطها بالموسم الانتخابي، فيما فضلت عدم الكشف عن حجم الدخل الذي تحققه خلال هذه الفترة.
وتكشف تجربتها وجها آخر للحملات الانتخابية لا يظهر بالضرورة على المنصات وفي خطابات المرشحين؛ إذ تحتاج الآلة الانتخابية، حتى تعمل يوميا، إلى أشخاص يتولون مهام التنظيم والتوزيع والتنسيق والتواصل، وهي أعمال تفتح، خلال فترة محدودة، فرصا أمام شباب يبحثون عن مصدر للدخل أو تجربة مهنية.
حين ترفع الانتخابات الطلب على النقل
في قطاع النقل، يلمس أيوب متوكل الحركة الانتخابية بطريقة مباشرة. فالسائق يجد نفسه، خلال هذا الموسم، أمام طلب متزايد على خدمات النقل بسبب كثرة تنقل المرشحين وأعضاء فرق الحملات والمشاركين في التجمعات والمهرجانات الخطابية.
وقال متوكل لـ«اليوم 24» إنه اشتغل مع أكثر من حزب خلال هذه الفترة، وهو ما مكنه من تحقيق دخل إضافي، لكنه يعني في المقابل ضغطا أكبر في المواعيد وامتداد ساعات العمل.
وبالنسبة إليه، توفر الانتخابات فرصة لتحسين الدخل، لكنها تظل فرصة موسمية لا يمكن التعويل عليها باعتبارها نشاطا دائما، إذ تتراجع الحاجة إلى هذه الخدمات الإضافية بمجرد إسدال الستار على الحملات.
وهكذا، وبين مطبعة تخرج منها آلاف المنشورات، وحافلة تنقل المشاركين إلى تجمع انتخابي، وشاب يعمل في التنظيم أو التواصل، تخلق الانتخابات دورة اقتصادية صغيرة ومؤقتة حولها. دورة قد تمنح بعض المهنيين والشباب أسابيع من العمل والدخل الإضافي، لكنها سرعان ما تنكمش بانتهاء الحملات، لتعيد إلى الواجهة السؤال الأكبر الذي يشدد عليه الاقتصاديون: كيف يمكن تحويل فرص الشغل الموسمية إلى اقتصاد قادر على توفير وظائف مستقرة ومنتجة طوال السنة؟