تكشف التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، التي صادق عليها المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد السادس، السبت 17 أكتوبر بالقصر الملكي بالرباط، عن توجه نحو إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، من خلال وضع القدرة الشرائية للمواطنين وإدماج الشباب في سوق الشغل في مقدمة الاهتمامات الحكومية، إلى جانب تعزيز التنمية الترابية والسيادة الاقتصادية.
وتبرز أهمية هذه التوجهات في كونها لا تكتفي بالإعلان عن مواصلة البرامج الاجتماعية القائمة، بل تتضمن اعترافا ضمنيا بالحاجة إلى مراجعة بعض آليات التدخل العمومي، خصوصا في مجال ضبط الأسواق والأسعار، ومعالجة محدودية البرامج القطاعية الموجهة إلى الشباب.
غير أن السؤال الأساسي الذي يطرحه مشروع قانون المالية لا يتعلق فقط بطبيعة الأولويات المعلنة، وإنما بمدى قدرة الحكومة على تحويلها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والقياس، تنعكس على الدخل الحقيقي للأسر، وتفتح أمام الشباب فرصا فعلية للشغل والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
إصلاح الأسواق والأسعار
يشكل إدراج «استعادة القدرة الشرائية» في صدارة الأولويات الخمس للمشروع مؤشرا على تحول في مقاربة السياسة الاجتماعية، بالنظر إلى أن البلاغ الملكي لم يقتصر على الحديث عن الدعم الاجتماعي المباشر، وإنما أعلن عن الشروع، ابتداء من سنة 2027، في إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار.
وتكتسي هذه الإشارة أهمية خاصة، لأنها تنقل النقاش من مجرد التعويض عن ارتفاع تكاليف المعيشة إلى معالجة بعض العوامل التي قد تؤثر في تكوين الأسعار، بما فيها بنية الأسواق، ومستويات المنافسة، ومسالك التوزيع، وهوامش الوساطة.
هذا، علما أن تحسين القدرة الشرائية يظل رهينا بمدى تطور الأجور والمداخيل مقارنة بالمستوى الفعلي للأسعار، وليس فقط بتحقيق مؤشرات إيجابية على مستوى التضخم.
وفي السياق نفسه، يتضمن المشروع توجها نحو رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة تعميم التغطية الصحية، وتحسين خدمات التعليم والصحة، وتعزيز الولوج إلى السكن.
الشباب… سياسة وطنية تمتد خمس سنوات
يبرز الشباب باعتبارهم أحد المحاور المركزية في مشروع قانون المالية لسنة 2027، ليس فقط من خلال إدراج إدماجهم في التعليم والتكوين والشغل اللائق ضمن الأولويات الخمس، وإنما أيضا من خلال تخصيص فقرة مستقلة في البلاغ الملكي لانشغالات هذه الفئة، واعتبارها من أكثر قضايا المرحلة استعجالا.
واللافت في هذا التوجه هو الإقرار بمحدودية البرامج القطاعية المتفرقة، والدعوة إلى تجاوزها نحو سياسة وطنية مندمجة تتبع مسار الشباب من التعليم والتكوين إلى الشغل والسكن والاستقرار الاجتماعي.
ويعكس هذا التصور تحولا في طريقة التعامل مع إشكالية الشباب، من خلال الانتقال من برامج تعالج جوانب منفصلة، مثل التكوين أو تمويل المقاولات، إلى مقاربة تربط بين مختلف المراحل التي يمر منها الشاب في بناء مساره المهني والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، أعلنت الحكومة عن إطلاق برنامج وطني مندمج للشباب للفترة الممتدة بين 2027 و2031، يرتكز على التكوين والمواكبة المهنية وتسهيل الولوج إلى التمويل والضمان والأسواق.
لكن فعالية هذا البرنامج ستتوقف على قدرته على معالجة الاختلالات التي حالت دون تحقيق عدد من المبادرات السابقة لأهدافها، وفي مقدمتها ضعف الملاءمة بين التكوين وحاجيات الاقتصاد، وصعوبة ولوج الشباب إلى التمويل، ومحدودية فرص التشغيل المستقر.
كما يطرح البرنامج سؤالا حول موقع الشباب غير الحاصلين على شهادات، والشباب المنقطعين عن الدراسة، وسكان المناطق القروية، الذين قد لا يستفيدون بالقدر نفسه من برامج ريادة الأعمال أو التكوين المتخصص.
والأهم أن نجاح السياسة الجديدة لا ينبغي أن يقاس بعدد الشباب المسجلين في البرامج أو المستفيدين من دورات التكوين والتمويل، وإنما بعدد فرص الشغل المستدامة التي يتم إحداثها، ومستوى الدخل الذي توفره، ومدى مساهمتها في تقليص البطالة والهشاشة الاقتصادية.
25 مليار درهم للتنمية الترابية..
يحمل تخصيص 25 مليار درهم لتسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة بعدا اجتماعيا واقتصاديا، بالنظر إلى ارتباط التفاوتات المجالية بإمكانيات الولوج إلى التعليم والتكوين والشغل والخدمات العمومية.
وقد تساهم هذه الاعتمادات في تحسين جاذبية المناطق الأقل استفادة من الاستثمار، وتوفير البنيات التحتية الضرورية لإحداث أنشطة اقتصادية محلية.
التوازنات المالية… تحدي التمويل
تضع التوجهات الجديدة الحكومة أمام معادلة مالية دقيقة، تتمثل في توسيع الالتزامات الاجتماعية والاستثمارية، مع المحافظة على استقرار التوازنات الماكرو اقتصادية.
فالبلاغ يتوقع تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4.7 في المائة خلال سنة 2026، واحتواء التضخم في حدود 0.7 في المائة، وتقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
وتشكل هذه الأرقام، في حال تحققها، إطارا اقتصاديا قد يساعد على تمويل الإصلاحات، لكنها لا تكشف بمفردها عن حجم الموارد المتاحة أو كيفية توزيعها.
كما أن رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، وتوسيع الاستثمارات في التعليم والصحة، وتمويل البرنامج الوطني للشباب، كلها التزامات تتطلب موارد مستدامة.