بطاقة الشرفا أو صكوك الغفران المغربية

13 فبراير 2015 - 20:30

حسنا فعل وزيرا الداخلية والعدل عندما أعلنا الحرب على مئات الآلاف من بطاقات الشرفا التي يستعملها عدد من المواطنين للإفلات مع العقاب، أو التملص من القانون، أو الحصول على امتيازات، وإيهام العامة بأن هذه البطائق تعطي حاملها قيمة واعتبارا في مجتمع متخلف يقسم المواطنين إلى شرفاء وغير شرفاء، ويرتب على الانتساب العرقي المزعوم إلى سلالة النبي (ص) امتيازات وحقوقا وخدمات وريعا ومكانة لا تُعطى لمن لا ينتسب إلى الشجرة النبوية التي وضعها نقباء جلهم احترفوا الاتجار باسم الشرفا، وحماية دمائهم النقية وشجرتهم المباركة ودوحتهم الميمونة… 

لقد أعطى وزيرا العدل والداخلية الضوء الأخضر للشرطة ووكلاء الملك والولاة والعمال والقياد لمتابعة كل من يشهر بطاقة الشريف المخططة بالأخضر والأحمر أمام المحاكم، وكان الأولى أن تحل وزارة العدل، أولا، روابط الشرفاء الأدارسة والعلويين الذين يبيعون هذه البطائق، ويبيعون معها الوهم والتخلف والميز العنصري لمجتمع مازال الجمود والتخلف يثقل رجليه نحو التقدم والتحرر والتغيير والإصلاح، دعك من الحداثة، فهذه تظهر في بلادنا وكأنها إشاعة أو فيلم من الخيال العلمي…

 تجارة كاملة نبتت على ضفاف روابط الشرفا الكثيرة في بلادنا، وجمعياتهم المنتشرة في كل مكان تبيع بطائق تقضي كل الحاجات وتفتح كل الأبواب، وتحمي صاحبها من الإدارة والشرطة والقانون وحتى الجيران. أكثر من هذا، تطورت هذه التجارة فأصبح النقباء يطبعون les vignettes التي توضع على واجهة السيارات لتقي صاحبها هجمات «الديبناج» و«الصابو»، وتجعل سيارة صاحب الشارة الملونة بالأخضر والأحمر intouchable، ولأن عائدات هذه الصكوك المقدسة تدر أرباحا كبيرة، فإن روابط الشرفا، وكأي شركة تسعى إلى الربح وتنويع منتوجاتها وخلق دوافع لاستهلاك بضاعتها، أصدرت قائمة أسعار شجيرات النسب الشريف، تظهر أن فلانا بن علان يرجع نسبه إلى الحسن أو الحسين، ومنهما إلى فاطمة الزهراء، ثم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وبهذه الطريقة وسع النقباء قائمة زبنائهم من الذين يتهافتون على لقب لالة وسيدي، ويعلقون شجرة نسبهم الشريف في صدر الصالون أو المكتب أو في محافظ نقودهم لإشهارها وقت اللزوم، حتى إن النسب الشريف وجد طرقا سرية بين علم الأنساب إلى كل واحد، عربيا كان أو أمازيغيا أو أندلسيا أو إفريقيا أو حتى أجنبيا. أعرف فرنسيا في البيضاء يعلق شارة على سيارته الفاخرة مكتوب عليها «شرفاء الأدارسة وأبناء عمومتهم رعايا صاحب الجلالة»، وتحت الخطين الأحمر والأخضر العبارة المفتاح: «يجب احترام صاحب هذه الشارة». لقد حول النقباء، الذين يحرسون النسب الشريف في بلادنا، محمد بن عبد الله (ص) إلى آدم جديد أبي جميع البشر. هل تخطر على رؤوسكم هذه الحيلة غير الشريفة… 

 الشرفا لم يتركوا بدعة إصدار شجيرات النسب الشريف في حدود بلادنا، بل صدروها إلى الخارج، ووجدوا خليجيين وأفارقة يدفعون بالدولار مقابل التنقيب في سلالة عائلاتهم عن جد مجهول يرجع إلى سلالة علي أو فاطمة أو الحسين أو غيرهم من آل البيت، حتى إن واحدا من نقباء هذه الروابط انتقل من المغرب إلى ليبيا في عهد العقيد معمر القذافي، حاملا معه شجرة نسب هذا الأخير التي وجد لها الشريف المغربي صلة بآل البيت، فوثق هذا النسب المزعوم لقبيلة القذاذفة، ودخل على القائد الثائر، الذي لم يكن يؤمن أصلا بالسنة النبوية ولا سيرة محمد كما صرح في إحدى خطبه البلهاء، فلما رأى القذافي شجرة عائلته وهي تمتد عبر 14 قرنا إلى النبي (ص) ضحك من صاحبنا، وقال له: «أنا أعرف أنني من آل البيت، لكنني محتار في عدد الشجيرات التي بحوزتي عن نسبي الشريف. لقد سبقك آخرون إليّ، وكل واحد يرسم لعائلتي وقبيلتي طريقا مختلفا إلى آل محمد»، وقبل أن ينهي الزعيم الأخضر المقابلة مع النقيب المغربي، أوصى حرسه الثوري بإكرام الشريف، فهو اجتهد ولكل مجتهد أجر حتى لو أخطأ…

هذه الحكايات وغيرها كثير عن الشرفا وعن طرائفهم وعن تلاعبهم بمشاعر الناس الدينية، تصلح تمارين في السوسيولوجيا المغربية، وفي عينات من السلوكات التي تحتاج إلى دراسة لمعرفة خصائص المجتمع المغربي، ومفعول خلط الدين بالسياسة بالنسب الشريف في سلوك السلطة والمخزن بالتحديد.. المخزن الذي رعى لقرون هذا النوع من الاعتقادات لأهداف أخرى. 

السياسة مثل الدواء لديها دائماً آثار جانبية على صحة الإنسان، وفي بعض الأحيان تكون هذه الآثار خطيرة على حياة البشر. هذه هي حكاية بطاقة الشرفا، وزد عليها ظهائر التوقير التي كان يصدرها المخزن قبل الاستقلال لبعض العائلات ذات الحظوة، ومازال بعض الأحفاد إلى اليوم يتبجحون بها ويشهرونها في وجه خصومهم، وهذا موضوع سنرجع إليه بتفصيل أكثر… إلى اللقاء. 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يوسف الودادي منذ 6 سنوات

الشرف فالعروق ماشي فالخروق

مولاي علي الشريف الزكي العلوي منذ 6 سنوات

رد مولاي علي الشريف الزكي العلوي رئيس رابطة الحسنيين والحسينيين وهي قصيدة لمحب البيت النبوي أبي مدين الفاسي رحمه الله ونفعنا بعلومه سما لبني الزهراء فضلا على الكل فيا حسن فرع قد تسامى إلى الأصل كأن بني الزهراء في فنان العلا نجوم السماء و الناس في العالم السفل ولم لا يسود الناس قوم تطهروا من الرجس عند الله في محكم النقل خيار بني حواء طرا عليهم برد من الأنوار جلت عن المثل إذا آفتخر الراقون يوما ففخرهم منازل حول العرش تعلو مع الرسل فمن ذا الذي في العالمين يضاهي من تعاظم عند الله منزلة قل لي ألم تعلم أن الله أثنى عليهم وألبسهم بين الورى حلة الفضل وشرفهم إذ أودع السر فيهم كما أودع السر المهيمن في النحل فهم ماهم يحمي المزار حماهم ولولا هم متنا على ملة الجهل منازلهم للعالمين مساجد زيارتهم تشفي الصدور من الغل فحبهم فرض على كل مسلم وقربهم يغني الغريب عن الأهل محلهم الأرض الحرام وإن نأوا كرام على الجيران في سائر الحل بني النسب المرضي طابت نفوسهم بما لهم من هيبة الله ذي الطول تقاصر مدحي وآنتهى دون وصفهم كما أنه أعيا المصانع من قبلي فمبلغ علمي أنهم حجة الورى وأكرم خلق الله في الموقف الفصل أفاضل من نسل الرسول تفرعوا حسان الوجوه و الخليقة والقول إذا ما لقيت الفاطمي فقل له سلام على بني الفضل والمنزل السهل ولا تحقرن البعض والبعض منهم لعز مقام الجد يغني عن الكل بأيهم اقتديت يهديك نوره وإن كان في الأمصار حث عن السبل يؤم كثير الصالحين قليلهم وحسبك أهل البيت في الربط والحل لهم همم لم يعطها الله غيرهم وجاه بديع السر في الشيخ والطفل أناس ولا كالناس والأصل واحد كأنهم الإبريز في معدن الرمل فهل لا سألت البيت عن سر جدهم وأمهم الزهراء صالحة الفعل وعن ولديها الأكرمين اللذين لم يزل منهما نجل مدى الدهر من نجل توارثت الأبناء جاه محمد فيا له من فخر عظيم ومن سؤل وجوه عليها في الخيام بشاشة بأيد طوال من شيوخ ومن كهل يواقيت جيد الدهر والأنجم التي تهدى بها الركبان في الغوص والتل ومطمع آمال النفوس عشية إذا ارتعد الأنذال من شدة البخل دواخنهم هاتيك تعلو بيوتهم ضحى وأصيلا تعلم الضيف بالفضل وفي ظلمة اليوم الكرير سيوفهم كصلصلة البرق اليماني على وبل لها من رقاب الملحدين موارد إذا أوردوها الجسم تصدر عن حمل بها تعرف الأشراف في كل موطن كما أن سر الحسن في الأعيان النجل فمنهم رجال في البيوت أهلة وإن ركبوا الحرب أسود على الخيل كرام فلا يشقى الجليس بهم فهم يرون غناء النفس والعز في البذل إلى مثلهم ترقى العيون إذا انقضت موارد أهل الحشر في الموقف الهول ألا فاعلموا مني حقيقة فضلهم وأشهدكم أني و صلت بهم حبلي رضيت بربي إن رضوني خويدما ليجمع بعد الشت بعزهم شملي قصدت حمى الأشراف أرجو بحبهم قبولا من المولى لصالحة الفعل وأزكى صلاة ثم أبهى تحية على المصطفى والآل والصحب والخل

°ALIALI منذ 6 سنوات

عن عائشة رضي الله عنها أنَّ قُرَيْشًا أهَمَّهم شأنُ المرأةِ المخزوميَّةِ الَّتي سَرقَت فقالوا من يُكَلِّمُ فيها رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ؟ فقالوا من يجتَرِئُ عليهِ إلَّا أسامةُ بنُ زيدٍ حِبُّ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فَكَلَّمَهُ أسامةُ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أتَشفعُ في حدٍّ من حدودِ اللَّهِ ثمَّ قامَ فاختَطبَ فقالَ إنَّما أهْلَكَ الَّذينَ من قبلِكُم أنَّهم كانوا إذا سَرقَ فيهمُ الشَّريفُ ترَكوهُ وإذا سرقَ فيهمُ الضَّعيفُ أقاموا عليهِ الحدَّ . وأيمُ اللَّهِ ! لَو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمَّدٍ سرَقَت لقطعتُ يدَها. صحيح الترمذي فلماذا هذا التمييز واين هي دولة القانون

قبة السوق منذ 6 سنوات

فيلالي من الريصاني ساكن في الواد التحتاني لابد من انتاج فكر معقلن وان كان النسب ضروري فانا ارفض كل من يبحث عن الامتيازات فالمغاربة سواسية امام القانون والشرفاء الحقيقيون لايملكون هاته البطائق انهم مشغلون بالبحث عن لقمة العيش في الصحاري والجبال والشريف هو شريف النسب والاخلاق والعمل النبيل لخدمة هذا الوطن العزيز .

الخرافة منذ 6 سنوات

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس سواسية كأسنان المشط، ففي بلدنا المغرب أصبح الشرفا تترقى وتحصل على وظائف وامتيازات بسبب هاته البطائق أما غير الشرفا فإنها في الدرك الأسفل تعيش الحكرة والتهميش فهناك طبقية في المغرب وليست سواسية بسبب خرافةالشرفا

مجماذ منذ 6 سنوات

وبطاقة الصحافة كذلك تفعل مفعولها لدى الدرك والشرطة وغيرهم وراكم كلكم مصائب الله استر

عثمان منذ 6 سنوات

الدين براء من هذه الممارسات ،إنما ضعاف نفوس لايعلمون من الدين الا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه يتاجرون بما لايستطيعون إثبات أصل له "إن أكرمكم عند الله أتقاكم " " لافضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى " " من بطأبه عمله لم يسرع به نسبه " " كن ابن من شئت واكتسب أدبا ...." لئن سألت عن آباء ذوي شرف صدقت ولكن بئس ما ولدوا"

الزبير بلحاج منذ 6 سنوات

-- وماذا عن البطاقات المهنية للمحامي والطبيب والآخرون..؟ وإشهارها على زجاجات سيارتهم. -- يجب محاربة المفسدين أين ما كانوا ووجدوا.وحذاري من الخلط.

مغربي شريف بدون شجرة منذ 6 سنوات

الله يرحم والديك اسي بوعشرين، زمن الانحطاط والرداءة.

أحمد منذ 6 سنوات

وما رأي وزير العدل في بطاقة الجواز التي تمنحها وزارته للقضاة؟؟؟؟؟؟؟؟؟

محمد منذ 6 سنوات

الدين أفيون الشعوب فعلا، لكن تحية رجولة لحصاد والرميد على هذه الخطوة التي أعتقد أنها لم تكن لتأتي لولا التأييد الملكي، والذي يعتبر أكثر المتضررين بالتأكيد من كثرة هذه البطائق، لأن ذلك قد يجعلنا نشكك حتى في شجرته، وهذا لا يهمنا أصلا، كل ما نريده نحن هو بلاد يسودها العدل وفقط.

التالي