بنميلود: الفايسبوك أطلق ثورة ثقافية ضد أدب السلطة

21 فبراير 2015 - 00:22

حاورته: وداد الملحاف 

‭{‬  بداية، هناك من يقول إن مواقع التواصل الاجتماعي ابتذلت الإبداع والأعمال الأدبية. ما رأيك في هذا الرأي؟ 

ابتذال الأدب، أعتقد أن حكما كهذا هو حكم قيمة لا معنى له، إذ إن مواقع التواصل الاجتماعي ليست هي من تكتب الأدب لتبتذله، بل هي فقط تكشف مستوى الأدباء والأدب الموجود في الواقع، تكشف المستور، تكشف ما كان مخبأ، تكشف حقيقتنا وحقيقة أوهامنا، وهذه الحقيقة هي التي تصدم البعض. الفرق بين مواقع التواصل الاجتماعي وبين مكتبة هو أننا نرى كل شيء في مواقع التواصل الاجتماعي هادرا متدفقا أمامنا دون توقف. بينما أمام مكتبة، نكون انتقائيين، حيث نبحث عن كتاب بعينه على مقاسنا، معتقدين أنه غير مبتذل، بينما لو فحصنا كل المكتبة كتابا كتابا لوجدناها مليئة بالإصدارات الرديئة، والأدب المتجاوز والبليد والمبتذل، هذا أصلا لو اتفقنا حول هذه الكلمة : مبتذل، وحول نقاش هذا النوع من أحكام القيمة الكسولة والعشوائية التي يصدرها كثيرون.

‭{‬  ما سبب رفضك لنشر أعمالك الأدبية عبر الوسائل التقليدية، أي الكتب والأمسيات الشعرية واللقاءات الأدبية؟ 

<   لست رافضا لنشر أعمالي عبر الوسائل التقليدية -كما وصفتِها- كالكتب والأمسيات الشعرية واللقاءات الأدبية، بل لدي نية مستمرة للطبع، وأيضا المشاركة في أمسيات ولقاءات أدبية، لكن بطريقتي.

 في المغرب، هناك فساد ثقافي كبير ناتج عن تبعية الثقافة والمسؤولين عنها لفساد السياسة، هذا يُنتج محاربة للكتاب الحقيقيين ولآرائهم ومواقفهم، وعدم احترام وجودهم كما يجب. بدوري، لا أحترم هذه الثقافة بأهلها، بل أزدريها وأزدريهم. لكن هذا لن يمنعني من الطبع ولا من حضور أمسيات متى شئت وأنى شئت.

‭{‬  كيف هي علاقتك بباقي الأدباء؟

< علاقتي بالكتاب الآخرين جيدة، وتسير كما أحب بالإبداع، وليس بالمصالح والتواطؤات والرداءة، داخل المغرب وخارجه، أحترمهم وأحبهم ويحترمونني ويحبونني. بالنسبة للكتاب الذين لا يفهمون ما معنى أن يكون المرء شاعرا حقيقيا يكتب بحرية ويعبر بحرية، بل يعتبرون ذلك ضدهم شخصيا، هؤلاء لا أفهم أصلا ما معنى أن يكونوا شعراء أو كتابا. أتجنبهم ما أمكن دائما، وأتمنى دائما أن يتجنبوني. ما أكتبه ليس ضد أحد في شخصه أو باسمه، بل ضد ثقافة بكاملها أنا أحد المنتمين إليها.

‭{‬  إلى ما ترجع هذه «الشراهة» لدى الشباب على قراءة الأعمال الأدبية على الفايسبوك؟

< الفايسبوك فضاء حر، خارج عن سيطرة الأنظمة والثقافة العربية، انطلقت منه ثورات وتمردات جماهيرية كبيرة أطاحت بأنظمة وحكام. كان الفايسبوك هو وزارة إعلام تلك الجماهير الذي ينقل الحدث بشكل مباشر إلى تلك الجماهير. أيضا تنطلق منه الآن ثورة أدبية وثقافية ضد أدب الأنظمة ومثقفيها. المتحكمون في الثقافة العربية، وفي الملاحق الثقافية، وفي الإعلام الثقافي، أصبحوا الآن حائرين أمام هذا الفضاء الجديد الحر، لذلك يحاربونه وينعتونه بالابتذال مثلا، لأنه يهدد مصالحهم، رغم أن ما أنتجوه من أدب في غالبه إن فحصناه ودققنا فيه دون انخداع بإيحاء الأسماء والأغلفة المنمقة والتكريس، سنجده أكثر ابتذالا. لا يفهمون ماذا يحصل، ولا يستطيعون استيعابه. لم تعد الآن ملاحقهم وإعلامهم ومؤسساتهم هي المرجع الوحيد، بل صار الفايسبوك المرجع الأول، إذ حتى تلك الملاحق الثقافية اليوم صارت تعتمد الفايسبوك وسيلة ضرورية لها للوصول إلى الناس. 

‭{‬  ألا تجد أن خاصية انعدام الرقابة هي نقطة قوة الأدب على النت؟

< الفايسبوك فضاء مفتوح بلا رقابة، هذا سلبي، لكنه إيجابي أكثر، خصوصا حين يتعلق الأمر بحقل الإبداع، الذي لا يستسلم أو يخضع لأية رقابة. الفايسبوك سيعطيك صفحة مشابهة لصفحة أي شخص آخر، دون ميز طبقي بين عربي وعجمي، بين أسود وأبيض، بين رئيس حزب أو رئيس اتحاد كتاب أو رئيس مجلة وبين شاب مفلس في الجامعة، إذن عليك أن تبدع لتتميز. إبداعك هو ما سيظهر للقراء، فوق عمرك وفوق منصبك، وأقصد هنا بالقراء قراء الأدب وليس الجماهير، المدمنون على القراءة وليس سكان قارة الفايسبوك بعمومهم. بعدها ستمتلك سلطة مؤثرة، لا يستطيعون هم امتلاكها بكل إمكانياتهم، ستمتلك سلطة الإبداع، وحب القراء لإبداعك. أولئك القراء الشرهون للقراءة الذين لم يعودوا يجدون ما يعبر عن ذواتهم وهمومهم وأحزانهم وأفراحهم وطموحاتهم سوى في الأدب الذي ينشر في الفايسبوك، الذي يكتبونه هم أنفسهم، أو يقرؤونه في صفحات أدباء أكثر منهم دراية بالأدب والإبداع. الكتابة عبر الفايسبوك هي أيضا كتابة آنية وتفاعلية، وفي أغلب الأحيان قصيرة ومختصرة وسريعة، هذا يجعلها أقرب إلى نفسيات الشباب، وإلى متغيرات العصر التي تفرض نفسها، والتي لا يعيها ويستوعبها إلا قلة من الأدباء. الفايسبوك أيضا مليء بالرداءة، بالنصوص العشوائية، والنصوص المبتدئة، التي لا أجدها سيئة أو تؤذي أحدا، بل هي فضاء للتعلم والمحاكاة والتطور، كما أن هناك عددا كبيرا من الكتاب السخيفين الذين يتابعهم جمهور كبير، لكن الفايسبوك في المقابل، أيضا، فضاء لكتابات جيدة يتابعها كتاب وقراء كثيرون، وليس جمهورا، وأفضل الكتاب العرب اليوم لهم صفحات خاصة على الفايسبوك ينشرون عبرها إبداعاتهم بشكل يومي، إذن هذا يفسر شراهة الشباب اليوم للقراءة والكتابة أيضا عبر الفايسبوك بعد عزوفهم عن ذلك خارجه.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي