حاورته: نادية الهاني
{ المغرب يستعد لطرح خدمة الجيل الرابع من الأنترنت رغم المشاكل التي عرفها الجيل الثالث من ضعف الصبيب. ما رأيك؟
< أتصور أن إدخال تكنولوجيا أو شبكات الجيل الرابع للأنترنت بالمغرب لا يستوجب كل هذه الضجة الإعلامية، إذ العملية مجرد انتقال من بنية تحتية كانت تقدم خدمات الأنترنت بصبيب متواضع، إلى بنية أخرى تراهن على الرفع من هذا الصبيب ليس إلا. إنها عملية شبيهة بانتقال صاحب حافلة من طريق ثانوية إلى طريق سيارة، لكنها محددة السرعة بدورها.
صحيح أن الصبيب سيرتفع بالقياس إلى الجيل الثالث، وبأقل من الجيلين الخامس والسادس بالتأكيد، وصحيح أن الضغط على التطبيقات الكبرى سيقل (في الاتصالات الدولية أو في تحميل مقاطع الفيديوهات وغيرها)، وصحيح أن انسيابية الشبكة ستزداد نسبيا، لكن كل ذلك يبقى نسبيا وإلى حد بعيد أمام تزايد الاستعمال وكثافة الطلب الوارد في أفق العام 2020 وما بعده.
لكن المؤاخذات في هذا الباب ستبقى مطروحة إزاء ثلاث نقط جوهرية:
– الأولى أن الجيل الرابع موجه تحديدا إلى ما يسمى بالمستهلكين الكبار، من مقاولات وإدارات وغيرها، في علاقاتهم ببعضهم البعض وفي علاقاتهم بالخارج. بالتالي، فهو لن يسهم إلا جزئيا في ما يسمى بدمقرطة الوصول إلى الشبكة. لن تكون التكلفة هنا هي المشكل، بل طبيعة الوصول نفسه، وبأية مقاييس وبأية وتيرة.
– الثانية، أن هذا الجيل سيعمق الهوة الرقمية الملاحظة منذ مدة (مع الجيل الثالث، بل وما قبله) ليس فقط بين المناطق والجهات، بل أيضا بين الشرائح الاجتماعية المختلفة. سنكون، بالتالي، إزاء مغرب نافع رقميا ومغرب غير نافع بميزان النفاذ إلى التكنولوجيا الجديدة، أو إلى تفريعاتها.
– النقطة الثالثة تتعلق بالتكلفة. أستطيع أن أجزم بخصوص هذه النقطة بأن ولوج خدمات الاتصالات بالمغرب هو من بين الأغلى في العالم، إلى درجة بات الفاعلون الثلاثة وكأنهم في وضعية ريع بكل المقاييس. التعرفة على أساس منطقة الارتباط وطبيعة الارتباط ومستوى دخل المرتبط غير مستحضرة بالمرة في هذا الباب. ولذلك، فإن الجيل الرابع من الأنترنت قد يكون إقصائيا في الكثير من أبعاده.
أنا هنا لا أريد أن أظهر بمظهر أنني ضد إدخال هذه التكنولوجيا، فهي حتمية شئنا ذلك أم أبينا، لكن الذي أتحفظ عليه هو غياب التدابير المصاحبة لضمان الحق في النفاذ، ولضمان دمقرطة الوصول في أفق تكريس الحق في المعلومات الذي نص عليه الدستور.
{ قلت في أحد تصريحاتك إن ثقل صبيب الجيل الثالث مرده إلى سبب سياسي وليس تقني. كيف ذلك؟
< التقنية والتكنولوجيا، عموما، هي سيف ذو حدين. إنها قد تدفع إلى إدماج الفضاءات الجغرافية وتخفيف الفوارق السوسيو-اقتصادية، وقد تدفع باتجاه استبعاد هذه المنطقة أو تلك، وهذه الشريحة أو تلك من مزايا وخدمات التكنولوجيا. أدبيات الاقتصاد الصناعي وعلاقات التقنية بالفضاء وبإعادة توزيع الأفراد والجماعات في التراب الجغرافي كثيرة ويطول الحديث عنها هنا. فعندما تعمد الدولة إلى تجهيز هذه المنطقة وإغفال تجهيز تلك لاعتبارات ما، فهذا اختيار سياسي يتمظهر في صورة تدبير تقني. الخيط الناظم هو صاحب القرار، في حين أن التقنية هي المنفذ للاختيار المعتمد.
الذي أريد أن أوضحه هنا أن التقنية مرتبطة بالاختيارات السياسية وربما الإيديولوجية التي تقف خلفها. ولذلك، فإذا كانت ثمة تبعات اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو نفسية لتقنية ما، فلا يكمن السبب في عيب يشوب تلك التقنية في حد ذاتها، بل السبب هو الاختيارات التي قامت عليها أو تم اعتمادها تحت هذا الاعتبار أو ذاك. والشاهد على ذلك أن عدم تحرير المجال التلفزيوني، مثلا، وهو مجال تقني بامتياز، ليس مرده مشكل تقني ما، بل هو قرار سياسي صرف. وقد نعدد في ذلك النماذج والأمثلة.
{ ما هي الضمانات التي تخولها وكالة تقنين الاتصالات للمستهلكين لتمكينهم من الاستفادة من خدمات الجيل الرابع على أحسن وجه؟
< وكالة تقنين الاتصالات ليست جمعية مستهلكين. إنها مؤسسة رسمية تعمل على تصريف القرار السياسي في هذا المجال من الناحية التقنية المحضة. فهي تحدد المعايير التقنية الواجب اعتمادها، وتقنيات الارتباط بين الشركات المتنافسة، وطرق تصميم البنى التحتية أو ربط بعضها بالبعض الآخر، ولا تهتم كثيرا بأثر ذلك على توزيع الأجهزة جغرافيا، أو مدى احتمال أن يفرز ذلك هوة رقمية بهذا الشكل أو ذاك. إنها شرطي مرور يعمل على احترام السائقين لإشارات المرور ودرجات السرعة، ولا دخل له بمن يسن قوانين السير.
من جهة أخرى، فأنا أتصور أن الوكالة لا تحترم كثيرا ظهير إنشائها، إذ المطلوب منها في الأصل أن تعمد إلى توسيع فضاء المنافسة، في حين أنها باتت منذ مدة تدير فضاء المنافسة المتاح ليس إلا، كأنها أضحت «موظفا» لدى الفاعلين. هذا تقصير بنيوي يبدو لنا قاتلا، إذ الفضاء الاتصالاتي محرر لفائدة الفاعلين الثلاثة، في حين أنه مغلق في وجه من يتطلع إلى ولوج القطاع. وهذه نقطة تحيل على البعد السياسي المتحدث عنه في ما سبق.
* كاتب وأكاديمي مغربي