سرعان ما يخلص من يعتقدون بأن الرياضة المغربية تشكل سلما للترقي الاجتماعي، وهم يدققون النظر، إلى أن الأمر ليس صحيحا، بل هو نسبي، ومشروط، إذ إن الحالات « المحظوظة » بالترقي رياضيا وجدت نفسها في مستوى مجتمعي أفضل، إما بفعل « دفعة ريعية »، أو بفعل « ضربة احترافية »؛ وأما الاستثناءات فلا حكم لها.
نجاح مجتمعي «غير رياضي»..
بالعودة إلى مسارات مختلفة لرياضيين نجحوا مجتمعيا؛ سيكتشف الباحث المدقق أن السبب الرئيسي وراء النجاح المجتمعي لم يكن هو المحرك الرياضي، بل المحرك الدراسي. فنوال المتوكل، التي نالت ذهبية سباق 400 متر حواجز في الدورة الأولمبية لسنة 1984 بلوس أنجليس، الأمريكية، رفضت التفرغ للرياضة، وواصلت الدراسة بإحدى جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، ثم إذا بها تصل إلى الحكومة، والبرلمان، واللجنة الأولمبية الدولية أيضا، وتصير نموذجا للنجاح الذي يظن البعض بأنه نتيجة طبيعية لمسارها الرياضي، مع أنه، في العمق، ليس كذلك.
ويمكن الوصول إلى الخلاصة نفسها بإجراء القياس على مسار العداء الكبير سعيد عويطة، الذي فاز بذهبية سباق 5000 متر في دورة لوس أنجليس الأولمبية، أيضا، وصار له إشعاع كبير جدا على المستوى العالمي، بفعل تحطيمه لعدد مهم من الأرقام القياسية، إذ يظن كثيرون بأنه ترقى اجتماعيا بفعل تألقه الرياضي، مع أنه فضل هو الآخر مواصلة دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، إثر حصوله على الباكالوريا، ليصبح، في وقت لاحق، صاحب مشاريع خاصة، بعدما طبقت شهرته الآفاق محللا لفائدة قناة « الجزيرة الرياضية »، وبعدها « بي إن سبورتس »، في تخصص ألعاب القوى.
وهناك أمثلة أخرى معروفة لدى المغاربة، مثلما هو عليه الحال بالنسبة إلى سيدة كرة الطائرة المغربية، ورقم واحد في تاريخ المغرب؛ وهي ثريا أعراب، التي نالت عدة بطولات في رياضة الجمباز في بداياتها، ثم نالت مثلها وهي تصير لاعبة للكرة الطائرة، ويظن البعض بأنها ترقت اجتماعيا بفعل الرياضة، مع أن مواصلتها للدراسة كانت المحرك الرئيس لذلك الترقي، إذ ساعدها حصولها على الإجازة في الاقتصاد كي تحصل على موقع في شركة التبغ، ثم تصير عنصرا بارزا من عناصرها، ورئيسة لناديها، وعضوا في الاتحادين الإفريقي والدولي للكرة الطائرة.
ويلاحظ القارئ، باستقراء النماذج السابقة، وهي أمثلة فقط، بأن الخيط الرابط بين مسارات هؤلاء الأبطال الرياضيين، المتميزين، هو ترقيهم اجتماعيا، من منصب إلى آخر، وبقائهم لفترة طويلة في الساحة التدبيرية، بفضل إصرارهم على مواصلة الدراسة، وعيا منهم بأن الاكتفاء بالنشاط الرياضي سيؤدي بهم إلى الوقوع في مهاوٍ سحيقة سبقهم إليها رياضيون عاشوا بالقرب منهم، وعايشوا مآسيهم، وهم يجدون أنفسهم، في نهاية المطاف الرياضي، فريسة لواقع مرير.
وقد واتتني الفرصة كي أجالس كل واحد من هؤلاء الأبطال على حدة، وآخرين مثلهم، والحديث حول مسارهم، لأعرف من كل منهم، بأنهم سعداء جدا باختيارهم التحصيل الدراسي إلى جانب النشاط الرياضي، عوض الاكتفاء بالمسار الرياضي، في وقت كان كثيرون ينصحونهم بضرورة التركيز على نشاطهم البدني، على اعتبار أنهم يمتلكون مواهب ممتازة، ستذهب بهم بعيدا جدا في المجال.
كل من هؤلاء، وغيرهم، أكد بأن التألق في المجال الرياضي كان له حظه في نجاحه، ولكن من جهة الشهرة على الأرجح، لأن الرياضة، حسبهم، أخذت منهم الكثير من وقتهم، ونالت من حقهم الأسري، بل كادت تعصف، في بعض الأحيان، بحياتهم الشخصية، لولا وجود سند مهم تكفل بالأبناء (الزوج أو الزوجة، وحتى الأم والأب والأخوة والأخوات، وغيرهم)، وساعد في حمل العبء عنهم حين كانوا يهتمون بشأنهم الرياضي.
نجاح مجتمعي « رياضي خاص »..
هناك حالات كثيرة لرياضيين نجحوا مجتمعيا من دون أن يكون مسارهم الرياضي مثاليا، والأمثلة ليست قليلة، غير أن أغلب هؤلاء، وفي الصف الأول لاعبون لكرة القدم، تألقوا وطنيا ثم دوليا، كان نجاحهم محدودا، ومرتبطا إما بحصيلة مالية لتألقهم الدولي، أو بـ »دفعة ريعية ».
ويلاحظ هنا بأن أغلب هؤلاء الرياضيين الذين نجحوا مجتمعيا، ولو نسبيا، نتيجة لمسارهم الرياضي، كانوا قد تألقوا في كرة القدم، بداية بالبطولة الوطنية، ومرورا بالمنتخبات الوطنية، وصولا إلى الاحتراف إما في أوروبا أو في الخليج؛ ذلك أن هذا المسار أدى، بهؤلاء اللاعبين، إلى كسب حصص مهمة من المال، واستثماره في القطاع الخاص (المقاهي في الأغلب الأعم / مؤسسات للتكوين الكروي في حالات خاصة وقليلة)، كي يترقوا اجتماعيا، ويواصلوا العيش في مستويات محترمة.
ويمكن العودة إلى لوائح المأذونيات التي وزعت على مجموعة من الرياضيين، في فترات متعددة، لمعرفة أن معظم هؤلاء لم يترقوا اجتماعيا فقط، بفعل نجاحهم على المستوى الدولي، بما أن البطولات الوطنية، بكافة أنواعها، لا تتيح أي ترق اجتماعي، إلا بشكل محدود جدا، سوى لأنهم حصلوا على مأذونية أو اثنتين، بما ساهم، بطريقة لا غبار عليها، في المحافظة على مستواهم الاجتماعي في خط تصاعدي، أو على الأقل دون أن يُصاب بأي هبوط، اللهم في حالات بسيطة، لرياضيين لم ينجحوا في تدبير شؤون مأذونياتهم بما يتيح لهم عيشا مريحا.
ولأن البطولات الرياضية المغربية لا تغني ولا تسمن من جوع، حتى وراتب الدوري الاحترافي لكرة القدم أخذ في التصاعد منذ سنوات، ولأن هذا ليس خافيا على من يمارسون الرياضة في المغرب، فإن أغلب هؤلاء اللاعبين؛ الذين مارسوا كرة القدم، وفي حالات قليلة رياضات أخرى (الملاكمة مثلا)، أدركوا منذ البداية أن مخرجهم الوحيد والأوحد من الفقر، والحرمان، ومن مهاو اجتماعية محتملة، هو الاحتراف إما في أوروبا أو في الخليج.
ونتيجة لهذا المعطى عاش المتتبع للشأن الرياضي المغربي « جسورا جوية » للاعبين تألقوا في كرة القدم وطنيا، فاحترفوا في أوروبا أو في الخليج، ثم إذا بحالتهم الاجتماعية تتغير بشكل ملموس، وهم يقبلون على مشاريع خاصة، كانت عبارة عن مقاه أو عقارات، في الأغلب العام، لينتهي المسار الرياضي لمعظمهم، حتى وهم ما يزالون في ريعان الشباب، أو يلتحق بعضهم بتكوينات « قصيرة الأمد »، و »محدودة المستوى »، عساهم يبقوا على « الحبل السري » مربوطا مع الرياضة الأم التي كانت وراء احترافهم، وبالتالي اغتناءهم. وبالعودة إلى مسارات مختلفة لبعض هؤلاء الرياضيين، يمكن العثور، دون حاجة إلى الكثير من البحث، على حالات فعل فيها غياب الدراسة المعمقة، والمستوى العالي في التعليم، فعلته، إذ انتهى الأمر بأصحابها إما إلى التقهقر اجتماعيا، أو فقدان المال (قصة اللاعب عبدالحق أيت العريف نموذجا).
الرياضة المغربية.. « توزيع عادل للفقر »..
لعل المشرع المغربي فطن، ولو متأخرا، إلى أن الرياضة المغربية ليست مجالا « مثريا » للممارسين، وذلك نتيجة لتركيزهم على التريض وتضييعهم لكراسيهم العلمية، مما يكون له وخيم العواقب، ويضطر الدولة إلى تبني ملفاتهم، بشكل من الأشكال، صونا لكرامتهم، وحفاظا على وضعهم الاعتباري من التدهور. وهكذا، فإن دستور 2011 جعل من الرياضة حقا من الحقوق، بحيث لم تعد مجرد ترف أو تزجية للوقت، وصار لزاما على مؤسساتها أن تقدم الدعم، ثم مضت الوزارة الوصية إلى ما هو أبعد، ووضعت مشروعا لـ »رياضة ودراسة »، في أفق الوصول إلى نموذج مغربي يمكنه أن يكون أجيالا من الرياضيين المتعلمين، الذين تسهم الرياضة / الدراسة في ترقيهم اجتماعيا، وحصولهم على وضع مريح بنهاية المسار الرياضي. فقصص الرياضيين الذين نال منهم الفقر، ودمر العوز أسرهم، أو احتاجوا، وهم في أرذل العمر إلى العون، كثيرة جدا، بل هي من الكثرة بحيث تدل دلالة قطعية الثبوت على أن الرياضة المغربية تساوي « التوزيع العادل للفقر »، إذ إن طريقها تؤدي بالضرورة، بكل من يواصل السير فيها، إلى نهاية مأساوية، على اعتبار أن الراتب مهما كان جيدا لا يضمن العيش الكريم دائما، فضلا عن أن النظام الجمعوي لا يتيح الانخراط في الضمان الاجتماعي، ثم إن المسار الرياضي ينتهي سريعا؛ بعد سبع أو عشر سنوات من الوصول إلى الفريق الأول، ما يؤدي إلى « تقاعد مفجع ». المشكلة الأخرى في الرياضة المغربية، التي لا تستند إلى قاعة الدرس، ولا تقوم على نظام الاحتياط الاجتماعي، أنها لا تضع في الحسبان أولئك الذين لا يساعدهم حظهم في التميز، وبالتالي، مواصلة المسار في الفرق الأولى، ثم المنتخبات، والاحتراف، وبلوغ العالمية، إما عبر البطولات العالمية أو البطولات الأولمبية (الميداليات العالمية والأولمبية تحظى بمكافآت بعشرات الملايين)، وأغلب هؤلاء يُصابون بـ »جروح نفسية غائرة » نتيجة لفشلهم في المسار الرياضي، ويكون الجرح قاسيا إن هم فشلوا، أيضا، مجتمعيا.