الجامعات المغربية في التصنيفات الدولية: حضور باهت يعكس مستوى المنظومة

19 سبتمبر 2021 - 12:23

توجد عدة تصنيفات دولية للجامعات أشهرها تصنيف شنغهاي وتصنيف مجلة التايمز للتعليم العالي. وقد صدر الأسبوع الماضي عن هذه الأخيرة التصنيف العالمي للجامعة لسنة 2022، الذي بوأ مركز الصدارة مرة أخرى للجامعات البريطانية والأمريكية مع دخول جامعتين صينيتين لأول مرة نادي الجامعات العشرين الأوائل. ويعتبر دخول تصنيف التايمز اختياريا لجميع مؤسسات التعليم العالي عبر العالم لكن شريطة استيفاء ثلاثة معايير لكي يتم تضمينها في التصنيف. وهذه المعايير هي أولا نشر عدد كافٍ من الأوراق البحثية في الخمس سنوات الماضية لا يقل عن ألف ورقة، أي بمعدل 200 بحث في السنة، وتوفير الدراسة لطلبة التعليم العالي ما قبل الإجازة، وتوفير تكوينات في مجموعة من التخصصات. وذا كانت جميع الجامعات المغربية تستوفي بطبيعتها الشرطين الثاني والثالث فإن الشرط الأول المتعلق بالإنتاج العلمي ما زال يشكل عقبة أمام دخول أكثر من نصف الجامعات المغربية إلى هذا التصنيف العالمي، رغم أنه لا يشكل في المتوسط سوى أقل من ورقة بحثية لكل أستاذ باحث كل خمس سنوات. في حين تمكنت ست جامعات لحد الآن من دخول هذا التصنيف العالمي الشيء الذي لا يمكن أن يوصف بالتالي بالإنجاز بل فقط بتحقيق القابلية للتصنيف ضمن الجامعات التي تستوفي الشروط الثلاثة السالفة الذكر. عندها فقط يبدأ التباري قياسا إلى مجموعة من المعايير تهم معيار بيئة التعلم من خلال مؤشرات السمعة العلمية ونسبة التأطير الإداري ونسبة الطلبة الدكاترة قياسا لطلبة الإجازة ونسبة خريجي الدكتوراه قياسا لعدد الأساتذة المؤطرين والدخل المؤسساتي، ومعيار البحث العلمي من خلال مؤشرات السمعة البحثية والدخل البحثي والإنتاج البحثي، ومعيار التأثير البحثي من خلال مؤشر عدد الاقتباسات المتضمنة في المجلات العلمية المفهرسة. هذه المعايير الثلاثة يحتسب كل منها بنسبة 30 بالمائة في التقييم النهائي للجامعات المشاركة في تصنيف التايمز. يضاف إليها معيار الحضور الدولي الذي يحتسب ب7.5 بالمائة من خلال مؤشرات نسبة الطلبة الدوليين، ونسبة الأطر الدولية والتعاون الدولي، ثم معيار نقل المعرفة الذي يحتسب ب2.5 بالمائة من خلال مؤشر الخدمات التي تقدمها الجامعة لعالم المقاولات.

هذه السنة بلغ عدد الجامعات التي قدمت معطياتها من أجل الحضور في تصنيف التايمز 2112 جامعة تنتمي إلى 111 دولة، ويعزى هذا الارتفاع إلى قيام المؤسسة المشرفة على التصنيف برفع القيد عن عدد الجامعات المسموح لها بالدخول إلى التصنيف، وذلك منذ سنة 2016، وهي السنة التي صادفت دخول أول جامعة مغربية لهذا التصنيف الدولي وهي جامعة القاضي عياض، التي صنفت ذلك العام في الرتبة 776 من 800 جامعة مشاركة، بحصولها على 14.7 نقطة من 100 نقطة ممكنة، في حين أن المتوسط الدولي هو 50 نقطة. هذا المعطى مكن جامعات مغربية أخرى من الدخول إلى تصنيف التايمز للتعليم العالي بحيث عرفت سنة 2017 مواصلة جامعة القاضي عياض لمشاركتها، لكنها تراجعت في التصنيف إلى المرتبة 841 رغم التحسين الطفيف لنقطها بحصولها على 17.3 نقطة، كما شاركت لأول مرة جامعة محمد الخامس وصنفت في الرتبة 894 بحصولها على 15.1 نقطة، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله التي صنفت في الرتبة 962 وحصلت على 11.5 نقطة فقط.  وواصلت هذه الجامعات الثلاث نفسها حضورها في تصنيف 2018 في مراتب ما بعد 900 وبمتوسط نقط يتراوح ما بين 14.9 و19.1 نقطة، وانضافت إليها جامعة الحسن الثاني سنة 2019 لكن ظلت جميعها في المستوى نفسه من التصنيف ومتوسط نقط تأرجح ما بين 16 نقطة لجامعة الحسن الثاني و23.8 نقطة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله. وفي سنة 2020 التحقت جامعة ابن طفيل بهذا الركب الرباعي لكنها لم تتمكن من الحصول إلا على 16.3 نقطة، في حين تمكنت جامعة سيدي محمد بن عبد الله من الحصول على أفضل نقطة للمشاركات المغربية لحد تلك السنة بحيث حصلت على 28.4 نقطة، الشيء الذي مكنها من بلوغ الرتبة نفسها التي سبق أن بلغتها جامعة القاضي عياض سنة 2016 أي 776 لكن الفرق هو أن عدد المشاركين في التصنيف آنذاك لم يتجاوز 800 أما سنة 2020 فقد بلغ 1397، مما جعلها في منتصف الترتيب تقريبا. هذا الخماسي نفسه عاود المشاركة سنة 2021 التي يمكن اعتبارها أحسن مشاركة مغربية لحد الآن لأن جميع الجامعات حسنت نقطها، باستثناء جامعة محمد الخامس، غير أن موقع جميع هذه الجامعات في الترتيب العام ظل في الرتب ما بعد المرتبة 900 عالميا، كما أن أحسن نقطة حصلت عليها جامعة سيدي محمد بن عبد الله لكنها لم تتجاوز 29.7 نقطة.

في آخر تصنيف للتايمز للتعليم العالي برسم سنة 2022، الصادر في بداية هذا الشهر شتنبر 2021، نجد أن المغرب حاضر بست جامعات، أولها في الترتيب العام جامعة سيدي محمد بن عبد الله التي حلت في المرتبة 918 ب29.2 نقطة على 100، وآخرها جامعة الحسن الأول التي تشارك لأول مرة واحتلت المرتبة 1627 ب13.1 نقطة، وذلك من بين 1662 جامعة تم اعتبارها في التصنيف. مما يعني أن باقي الجامعات المغربية، بما في ذلك الجامعات الخصوصية وتلك المسماة بالشريكة، لا تتوفر فيها الشروط الدنيا لولوج تصنيف التايمز للتعليم العالي. وإذا قارنا هذه النتائج مع نتائج الجامعات العربية نجد أن أول جامعة مغربية في التصنيف احتلت المرتبة 31 عربيا، مسبوقة بعشر جامعات سعودية، وسبع جامعات مصرية، وخمس جامعات إماراتية، وثلاث جامعات أردنية، وجامعتين جزائريتين، وجامعة لبنانية، وجامعة قطرية، وجامعة عمانية، وجامعة فلسطينية. علما أن تصنيفا خاصا بالدول العربية نظمته التايمز للتعليم العالي في شهر يوليوز 2021، عرف تصنيف أول جامعة مغربية في الرتبة 41. أما المقارنة مع المشاركة الإفريقية فتبين أن أول جامعة مغربية احتلت المرتبة 26، تاركة المراتب الأولى إفريقيا لتسع جامعات من جنوب إفريقيا، وسبع جامعات مصرية، وثلاث جامعات من نيجيريا، وجامعتين من الجزائر، وجامعة من غانا، وجامعة من أوغندا، وجامعة من إثيوبيا، وجامعة من كينيا. وقد احتلت أول جامعة عربية وهي جامعة الملك عبد العزيز من السعودية المرتبة 190 عالميا ب54.5 نقطة، كما احتلت أول جامعة إفريقية وهي جامعة كاب تاون من جنوب إفريقيا المرتبة 183 عالميا ب54.9 نقطة. هذا يعني أن جامعات تنتمي مع المغرب للفضاء الجغرافي نفسه وتتقاسم عدة خصائص ثقافية معه يمكنها أن تتميز على الصعيد الدولي. لكن البعض قد يجد في الموارد المالية الضعيفة عائقا قد يحول دون تحقيق نتائج مرضية في التصنيف الدولي للجامعات، غير أن تحليل النتائج باعتماد مؤشر حصة الفرد من الناتج الداخلي الخام المبنية على تعادل القوة الشرائية يدحض هذا الادعاء. وهكذا نجد أن 110 جامعة تنتمي إلى دول تتسم بدخل فردي أقل من المغرب، أي أقل من 7296 دولار، حصلت على ترتيب أفضل من الجامعات المغربية، ومن بين هذه الدول إثيوبيا التي لا يصل دخلها الفردي لثلث الدخل الفردي بالمغرب، أي 2423 دولار، والنيبال وكينيا بنصف الدخل الفردي المغربي تقريبا، أي 4008 و4452 دولار على التوالي.

لقد حلت جامعة سيدي محمد عبد الله في المرتبة 671 في معيار الاقتباسات العلمية، وذلك بحصولها على حوالي 55 نقطة، أي أنها كانت أفضل من المتوسط الدولي بقليل، وكان يكفيها أن تحصل على هذا المستوى من النقط بالنسبة لباقي المعايير لكي ترتقي إلى المرتبة 183 عالميا. لكن هذا ليس بالأمر السهل، خاصة إذا علمنا أن هذا المعيار يعد من أسهل المعايير التي يمكن تحقيق نقط جيدة فيه، ويكفي أن نذكر هنا بأن 10 جامعات إفريقية و10 جامعات عربية حصلت على أكثر من 90 نقطة في هذا المعيار، بل أن منها من حصل على 100 نقطة. بالمقابل يظل أداء جامعاتنا ضعيفا في معيارين أساسيين هما معيار التدريس ومعيار البحث العلمي، بحيث لم يتجاوز عند جامعة سيدي محمد بن عبد الله، بوصفها أفضل جامعة مغربية في تصنيف 2022، 24.6 نقطة بالنسبة للمعيار الأول و9.3 نقطة بالنسبة للمعيار الثاني أي البحث العلمي، الذي يعتبر نقطة الضعف الأساس بالنسبة للجامعات المغربية، بحيث لم يتجاوز أداؤها في جميع مشاركاتها في التصنيف العالمي للجامعات 11.6 نقطة. مما يعني أن التألق المغربي في التصنيفات الدولية رهين بالرفع من الإنتاج العلمي بواسطة النشر في المجلات العلمية المفهرسة، وتخصيص المزيد من الاعتمادات المالية لمجال البحث العلمي خاصة من خلال إشراك المقاولات في تمويله. أما فيما يخص معيار التدريس فتظل أحسن نقطة حصلت عليها الجامعات المغربية هي 28.7 والتي عادت لجامعة محمد الخامس، مما يتطلب المزيد من الجهود لبلوغ 40 نقطة على الأقل، وذلك من خلال الرفع من نسبة التأطير في الجامعات المغربية والرفع من نسبة الطلبة الدكاترة قياسا لطلبة الإجازة، بالإضافة إلى الزيادة في عدد خريجي الدكتوراه.

إن تحسين ترتيب الجامعات المغربية في التصنيفات الدولية يتطلب إصلاحا جامعيا عميقا ينصب بالأساس على تحسين جودة التدريس من خلال التأهيل البيداغوجي الجيد لأطر التدريس، وتحسين بيئة التعلم من أجل الرفع من المردودية الداخلية للتعليم العالي، الشيء الذي سينعكس بشكل إيجابي على جودة مراكز دراسات الدكتوراه، وبالتالي على جودة الخريجين وجودة البحث العلمي مستقبلا. آنذاك سيكون أداء الجامعات المغربية متميزا في معايير تصنيف التايمز للتعليم العالي، شريطة ضمان استدامة الإصلاح بالدعم المالي الضروري وبنظام صارم للتقييم يضمن تحقيق الأهداف المسطرة ويساعد على التطوير المستمر لمنظومة التعليم العالي. غير أن ذلك لن يتأتى إلا بإصلاح جذري لمنظومة التربية والتكوين في شموليتها، لأنها سلسلة مترابطة الحلقات وكل ضعف في أحدها يؤثر بشكل مضاعف على مجمل المنظومة ولو قمنا بتقوية باقي الحلقات.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي